لم يعد تراجع جامعة هارفارد عن صدارة الإنتاج البحثي العالمي مجرد تبدّل في ترتيب أكاديمي، بل تحوّل إلى إشارة سياسية ومعرفية أعمق تمسّ جوهر «القوة الناعمة» الأمريكية. فبحسب أحدث تصنيفات لايدن المعنية بحجم وجودة الأبحاث العلمية، تراجعت الجامعات الأمريكية عن مواقع الهيمنة التاريخية، في مقابل صعود صيني متسارع تقوده إستراتيجية دولة واضحة، وتمويل ضخم، وربط مباشر بين البحث العلمي والأمن القومي، بينما تواجه الجامعات الأمريكية ضغوطًا مالية وسياسية تهدد قدرتها على الاستمرار في سباق المعرفة عالميًا.

انقلاب معرفي

تكشف بيانات «تصنيفات لايدن» عن تحوّل لافت في ميزان إنتاج المعرفة عالميًا، إذ فقدت جامعة هارفارد موقعها كأكثر الجامعات إنتاجًا للأبحاث، متراجعة إلى المركز الثالث، فيما تصدرت جامعة تشجيانج الصينية المشهد، ورافقتها سبع جامعات صينية أخرى ضمن المراكز العشرة الأولى. هذا التغيير لا يعكس تراجعًا مفاجئًا في مستوى الجامعات الأمريكية، بقدر ما يعكس تسارعًا غير مسبوق في قدرات الجامعات الصينية، التي نجحت خلال سنوات قليلة في تضييق فجوة استغرقت عقودًا لبنائها.


صعود صيني

تعتمد الصين على نموذج مركزي صارم في إدارة التعليم العالي، حيث تُدار الجامعات الكبرى بوصفها جزءًا من مشروع وطني طويل الأمد. استثمارات بمليارات الدولارات تُوجَّه لتطوير المختبرات، واستقطاب الكفاءات، ورفع معدلات النشر العلمي في الدوريات الدولية المؤثرة.

هذا النهج مكّن الجامعات الصينية من التحول من مراكز تعليم محلية إلى لاعبين رئيسيين في إنتاج المعرفة عالميًا، لا سيما في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة، والعلوم التطبيقية.

أزمة تمويل

في المقابل، تواجه الجامعات الأمريكية بيئة أكثر تعقيدًا، مع تصاعد الضغوط على التمويل الفيدرالي في ظل سياسات داخلية حدّت من المنح البحثية وشددت قيود الهجرة الأكاديمية. هذه السياسات انعكست مباشرة على قدرة الجامعات على استقطاب الباحثين والطلاب الدوليين، الذين يمثلون ركيزة أساسية في منظومة البحث العلمي.

وتشير بيانات حديثة إلى تراجع أعداد الطلاب الدوليين بنسبة 19% خلال أغسطس الماضي، ما يضعف فرق البحث ويقلص برامج الدراسات العليا.

سياسة المعرفة

يرى أكاديميون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في خسارة مركز متقدم في تصنيف عالمي، بل في تهديد منظومة البحث الأمريكية برمتها، التي تعتمد بشكل كبير على التمويل الحكومي طويل الأمد. فالتقليصات الحالية في الميزانيات وبرامج الدكتوراه قد لا تظهر آثارها فورًا، لكنها ستنعكس خلال السنوات المقبلة على جودة وحجم الإنتاج العلمي، ما يفتح المجال أمام منافسين جدد لملء الفراغ.

نشر ذكي

على الرغم من الانتقادات التي تُوجَّه للتصنيفات المعتمدة على الكم، تؤكد مراكز أبحاث أن الصين لا تركز فقط على عدد الأوراق العلمية، بل على نوعيتها أيضًا.

الجامعات الصينية باتت تستهدف النشر في المجلات الناطقة بالإنجليزية ذات معامل التأثير المرتفع، ما يعزز حضورها في دوائر صنع القرار العلمي عالميًا. كما يجري ربط البحث العلمي بشكل مباشر بالأهداف الإستراتيجية للدولة، وهو ما يظهر في إشادات القيادة الصينية بابتكارات علمية تمسّ الأمن الغذائي والصناعي.

فجوة خادعة

مع احتفاظ الجامعات الأمريكية بتفوقها في تصنيفات السمعة الأكاديمية وجوائز نوبل، يحذر الخبراء من فجوة زمنية خادعة، حيث إن تأثير خفض التمويل اليوم لن يظهر إلا بعد سنوات. وبينما يبدو التراجع الحالي محدودًا، إلا أنه قد يكون مقدمة لتحول أعمق في ميزان القوة المعرفية، في عالم تتقدم فيه الصين بثبات نحو إعادة صياغة خريطة التعليم العالي عالميًا.