حين كان التعليم فرديا من معلم أو من شيخ في كُتّاب القرية؛ كان التقييم فرديا ومبنيا على رؤية المعلم نفسه، حيث كانت أغلب التقييمات شفهية غير مكتوبة، وبدخول المدرسة كمبان تعليمية، تغيرت النظرة لتقييم التعليم من التقييم الشفهي إلى التقييم الكتابي، والتقييم التكويني، والتقييم بالمشاريع، ... وغيرها من أنواع التقييمات، كل هذه التقييمات تركز على التحصيل الختامي للطالب، وتفتقد التتبع اللحظي لمدى التطور المعرفي للطالب سواء داخل الفصل أو خارج الفصل.

في عصر يتميز بسرعة تطور المعرفة وتشعبها، وعدم قدرة المجتمع التعليمي بأسره من معلمين وطلبة وإداريين على تتبع ومواكبة هذه السرعة؛ يظهر دور التقييم اللحظي للمعرفة، سواء أكانت مدرجة ضمن المقررات الدراسية، أم خارجها ولا يمكن للمعلم إغفالها أو انتظار إدراجها في المقرر الدراسي، فيعمل المعلم خلال الحصة أو خارجها على إيضاح المفاهيم، وشرح التراكيب المعرفية لهؤلاء الطلبة، وتقتضي الحاجة إلى تقييم سريع لهذه المعرفة لاستكمال عملية البناء التراكمي للمعرفة، وهذا القياس يحتاج إلى أدوات ربما لا تتوفر في أدوات القياس المتاحة حاليا، أو غير متاحة لدى المدرسة.

للتقييم أهمية كبيرة جدا- ليس في التعليم وحسب، ولكن في كافة مناشط حياتنا، وخاصة في الجانب الديني- حيث يضمن استمرارية تطوير الحركة التعليمية، ويساعد في قياس مدى تحقيق الأهداف التربوية المنشودة، وتعتبر أدوات القياس اللحظي لأداء الطلبة داخل الفصول من العوامل الأساسية لتعزيز العملية التعليمية، حيث تساعد هذه الأدوات المعلمين على تقييم فهم الطلبة وتجاوز الفجوات التعليمية بشكل فوري.


تتنوع أدوات التقييم اللحظي بحيث تشمل التقييمات الإلكترونية مثل الاختبارات القصيرة عبر الإنترنت التي يمكن للطلاب إكمالها في نهاية الدروس، والتطبيقات التعليمية مثل Kahoot و Quizlet التي توفر أدوات للتقييم الفوري والتفاعلي للأداء، والملاحظات الصفية التي تعتمد على مراقبة سلوك الطلبة وكيفية تفاعلهم مع المحتوى التعليمي سواء من خلال المعلمين أنفسهم، أو من خلال الأدوات التقنية مثل الكاميرات الذكية المدمجة مع الذكاء الاصطناعي، حيث تُعد هذه الكاميرات أداة أمنية وتعليمية متطورة تهدف إلى تعزيز سلامة الطلبة، الانضباط، وجودة التعليم من خلال المراقبة الحية والتحليل الذكي.

توفر هذه الأنظمة التقنية من الكاميرات مميزات متعددة مثل: رصد التنمر-آفة العصر وكل عصر-، تحسين التفاعل مع المعلم، ومع الأقران، ومراقبة مستوى انتباه الطلبة، مع الالتزام بمعايير أمنية عالية، وقد أصبحت إلزامية في العديد من المدارس لضمان بيئة آمنة. وأيضا تقييم الأقران، حيث يقوم الطلبة بتقييم أداء بعضهم البعض، مما يعزز التعلم التعاوني.

لجوء المدرسة، أو المعلم بأدواته الذاتية إلى استخدام وتطبيق التقييم اللحظي، يعود على العملية التعليمية بأسرها بفوائد عدة لعل من أهمها:

تحسين تجربة التعلم: تقدم هذه الأدوات تغذية راجعة فورية للطلبة، مما يمكنهم من تعديل أساليبهم الدراسية.

تخصيص التعلم: يساعد المعلمون على تكييف المناهج الدراسية بناءً على احتياجات الطلبة الفردية.

تعزيز الدافعية: يساهم استخدام الألعاب التعليمية وأدوات القياس في تحفيز الطلبة وزيادة مشاركتهم.

تجارب ناجحة عالمياً

تجربة سنغافورة: استخدمت سنغافورة أدوات قياس فوري مثل تطبيقات التقييم الفوري في الفصول الدراسية. حيث أظهرت دراسة أن ما يقرب من 85% من الطلبة الذين استخدموا هذه التطبيقات أبلغوا عن تحسن ملحوظ في فهمهم للمادة (Tan. 2020).

تجربة الولايات المتحدة: استخدم المعلمون في بعض المدارس أدوات تقييم ذات شكلين، تضمين الاختبارات الإلكترونية مع التقييمات الشخصية، مما أدى إلى زيادة عدد الطلبة الذين يسجلون درجات أعلى من 75% بشكل ملحوظ (Smith & Jones. 2019).

تجارب ناجحة إقليمياً

تجربة الإمارات العربية المتحدة: نفذت وزارة التربية والتعليم في الإمارات تطبيقات قياس أداء الطلبة أثناء الدروس، الأمر الذي ساهم في تحسين نتائج الفصول بنسبة 30% في العلوم والرياضيات (Al-Mansoori. 2021).

تجربة مصر: تم إدخال أدوات قياس الأداء في المدارس التجريبية، حيث ساعدت هذه الأدوات في رفع مستويات الطلبة في المواد الأساسية بمتوسط 20% في نهاية العام الدراسي (Hassan. 2020).

يواجه التقييم اللحظي العديد من التحديات التي تقف عائقا أمام تنفيذه بشكل عام، والاعتماد على مخرجاته الرقمية والمعرفية بشكل خاص، حيث تعد كل من:

الاحتياجات التقنية: يعتمد القياس اللحظي بشكل كبير على توفر التكنولوجيا، التي قد تكون غير متاحة في بعض المدارس، خصوصًا في المناطق النائية.

مقاومة التغيير: قد يتردد بعض المعلمين في اعتماد أدوات جديدة، مما يتطلب دعمًا وثيقًا وتدريبًا كافيًا.

تحليل البيانات: يتطلب استخدام أدوات القياس تحليل بيانات الطلبة بشكل فعّال، وهو ما قد يمثل تحديًا للمعلمين غير المدربين.

الوقت: يمكن أن تستغرق أدوات القياس اللحظي وقتًا إضافيًا في الفصول الدراسية، مما يتطلب تخطيطًا دقيقًا للوقت.

تعتبر أدوات التقييم اللحظي ضرورية لتحقيق كفاءة أكبر في العملية التعليمية. فمن خلال التجارب العالمية والإقليمية، يتضح أن هذه الأدوات ليست مجرد إضافات، بل ضرورة لتعزيز التعلم والتحصيل الدراسي. سيكون من المهم مواصلة الاستثمار في تطوير واستخدام هذه الأدوات لضمان تحسين مستمر في التعليم.