في الوقت الراهن تقوم إيران بقصف جيرانها من دول الخليج العربي بصواريخها ومسيراتها. وهناك أكثر من 2500 ضربة في أسبوع واحد، استهدفت مطارات مدنية ومنشآت نفطية ومناطق سكنية، والأمر لدى منظري محور المقاومة: «مبرر من حيث المبدأ».
بيان هابرماس ورفاقه تعرض للكثير من النقد، فمنهم من رأى فيه تناقضًا صارخًا وسقوطًا ذريعًا لفلسفته، وآخرون رأوا في ذلك انسجامًا مع المركزية الأوربية في فلسفتها ونظرتها للآخر، وفاة هابرماس والأحداث الراهنة التي تمر بها المنطقة جعلتني أستحضر ولو بشيء من السخرية السوداء، نقاط الالتقاء بين خطاب هابرماس وتناقضاته وخطاب محور المقاومة المشابه له في الانتقاء والاستثناء. والمقاربة هنا بين الخطابات لا السلوك!
والسؤال هنا: هل هناك نقطة التقاء بين خطاب فيلسوف التنوير الألماني الذي يقدس العقلانية التواصلية والفضاء العام، وبين خطاب منظري «محور المقاومة» الذي يقدس «التحرر» والدفاع عن الأمة ومقاومة الظلم والتسلط؟ هل يا ترى يجلس هابرماس والحرس الثوري الإيراني في القارب نفسه؟
دعونا نبحث أولا في بنية «الاستثناء» التي اتكأ عليها هابرماس في بيانه التضامني الشهير.
استثناء هابرماس: حين يصمت التنوير
هابرماس بنى فلسفته التواصلية على أسس متينة: الفضاء العام، العقلانية التواصلية، الديمقراطية التداولية، الإجماع عبر الحوار الحر؛ لكنه عندما واجه الواقع الإسرائيلي وفلسطين، سقطت هذه الأسس في فخ الاستثناء. ليكون هابرماس ضحية تناقض رصده نقاده، فكتب آصف بيات، أستاذ علم الاجتماع من أصل إيراني، يتساءل: «ماذا حلّ بمفهومكم المبجل عن المجال العام والحوار العقلاني والديمقراطية التداولية؟»
«الاستثناء الفلسطيني» في فكر هابرماس هنا لا يمكن اختزاله إلى مجرد تناقض أخلاقي. إنه استثناء بنيوي، مرتبط بفكرة «الاستثناء» عند والتر بنيامين و«العقد العنصري» عند تشارلز ميلز. ويذهب أبعد من ذلك «إريكو أندرادي»، الباحث البرازيلي إذ يرى أن المبادئ المجردة التي يدافع عنها هابرماس ليست مجرد «قصور سوسيولوجي»، بل هي بالضبط ما يسمح بتبرير الاستعمار. «المبادئ العالمية غير القابلة للمساءلة» التي تصبح أداة للعنصرية، لأنها تطبق بشكل انتقائي: تصلح لليهود في ألمانيا، ولا تصلح للفلسطينيين في غزة.
هنا نرى هابرماس يطبق «معيارين»: معيار للذات (ألمانيا، اليهود) ومعيار للآخر (الفلسطينيون، العرب). الأول يستحق الحماية المطلقة، والثاني يستحق الصمت أو التبرير، وهذا هو «الاستثناء» في أنقى صوره.
في الجانب الآخر، حيث «محور المقاومة» يقدم نفسه خطابيًا على أنه «مقاوم العدوان والظلم» و«صمام الأمان» ضد إسرائيل وأمريكا. وضد الإمبريالية بكل صورها، لكن عندما تندلع الحرب الحقيقية، يتحول المقاوم إلى معتدٍ غاشم!
والتبرير الذي تقدمه إيران ومحورها المقاوم: نحن نستهدف «القواعد الأمريكية». لكن الواقع يكشف أن مدنيين يموتون، وبنية تحتية مدنية تدمّر، (مطارات وموانئ وأبراج سكنية)، وأرواح أزهقت في سوريا بأبشع الصور!
هنا أيضًا يطل علينا «الاستثناء» المشؤوم، فمحور المقاومة يطبق معيارًا للذات (إيران، الميليشيات التابعة لها) ومعيارًا للآخر (دول الخليج، الأنظمة العربية). الأول يستحق الحماية والدفاع، والثاني «ساحة» يمكن ضربها متى شاءت «المصلحة العليا/الإيرانية»
توظيف المقدس للسياسي
يستدعى هابرماس «المسؤولية التاريخية» كعمل مقدس؛ لتبرير الانحياز لإسرائيل، وفي المقابل تستدعي إيران ومحورها «المقاومة»؛ لتبرير التوسع الإمبراطوري الإيراني.
هنا تصبح فلسطين «مجازًا» للتعبئة، بينما الواقع العملي يتجه نحو تصفية حسابات إقليمية مع الجار، وبحساب عدد الهجمات الصاروخية على إسرائيل مقارنة بالتي شنتها إيران على دول الخليج تتضح الصورة أكثر، وإذا أضيف إليها عدد الضحايا الذين أهلكتهم إيران في سوريا والعراق واليمن وحجم الدمار الذي خلفته يُسقط البُعد الأخلاقي لخطاب المقاومة.
التوأم الاستثنائي
ما يجمع هابرماس ومحور المقاومة ليس المحتوى السياسي، بل البنية الفكرية ذاتها. إنها بنية «الاستثناء الأخلاقي»: استثناء نفسك ومعاييرك من القواعد العامة، وتطبيقها فقط على الآخرين.
- ازدواجية المعايير كآلية عمل
هابرماس يقول إن دعم إسرائيل «مبدأ غير قابل للنقاش» بسبب التاريخ الألماني، ومناقشة هذا المبدأ في نظره هو معاداة للسامية، لكنه لا يسأل: وماذا عن تاريخ الفلسطينيين مع الاستعمار؟ ماذا عن نكبة 1948؟ ماذا عن 75 عامًا من التهجير؟ وغيرها كثير!
محور المقاومة يقول إن ضرب الخليج «مبرر» بسبب وجود القواعد الأمريكية، رغم معارضة الخليج للحرب الجارية وعدم المشاركة فيها، ومع ذلك لا يسأل: ماذا عن سيادة الدول؟ ماذا عن المدنيين الأبرياء؟ ماذا عن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية الذي يرفعونه شعارًا؟ ماذا عن الدول التي عاثت فيها إيران فسادًا وقتلًا في اليمن والعراق وسوريا؟
يحاول «آصف بيات» تلخيص هذه المشكلة بذكاء حين يرى أن الاستثنائية، بحكم تعريفها، لا تسمح بمعيار عالمي واحد، بل بمعايير متباينة. بعض البشر يصبحون أكثر استحقاقًا، وآخرون أقل استحقاقًا، وآخرون غير مستحقين البتة.
تعطيل «الفضاء العام» و«الحوار»
هابرماس يدّعي الدفاع عن «الفضاء العام». لكن بيانه يسهم في إغلاق هذا الفضاء، فمن يتكلم عن فلسطين يتهم بمعاداة السامية، ويُطرد من وظيفته، وتُلغى مؤتمراته.
والأمر نفسه مع محور المقاومة الذي يدّعي الدفاع عن «الأمة» ومحاربة التسلط. لكن ضرب إيران للخليج وتدمير عواصم دول عربية يسهم في إغلاق أي فضاء عربي للنقاش، إذ من يتكلم عن اعتداءات إيران على الخليج أو سوريا وغيرها من الدول يُتهم بالعمالة لأمريكا، والتطبيع مع إسرايل، ويواجه حملات تشهير وتشفٍّ مقيتة!
«الاستثناء» كغطاء للعنصرية/الإقصاء
«إريكو أندرادي» الباحث البرازيلي في مقاله الناقد لبيان هابرماس ورفاقه، يقدم تحليلًا عميقًا؛ إذ يرى أنه عندما تطبّق مبادئ عالمية بشكل انتقائي، فإن هذه المبادئ تصبح «أجهزة عنصرية». قد تبدو محايدة وعالمية، لكنها في الواقع تخفي «عقدًا عنصريًا» يحدد من يستحق الحياة ومن لا يستحق، ففي حالة هابرماس، العقد العنصري يحدد أن حياة اليهود في إسرائيل تستحق الحماية، وحياة الفلسطينيين في غزة لا تستحق.
وفي حالة محور المقاومة، العقد الإقصائي يحدد أن إيران وأذرعها العسكرية في لبنان واليمن والعراق، تستحق الدعم والحماية، والعرب في الخليج ودول أخرى «أنظمة عميلة» تستحق الضرب والدمار، والنتيجة واحدة: تقسيم البشر إلى فئتين: فئة تستحق الحياة والكرامة، وفئة هي مجرد «عقبة» في طريق المشروع الأسمى.
الفروقات الجوهرية: حين ينكشف القناع
تبدو الفروقات في هذه المقاربة يسيرة وتتلخص في أن أهم الفروق بين بيان هابرماس وخطاب محور المقاومة هو في الاتجاه، فهابرماس يمثل استثناء الغرب لنفسه: هو يطالب العالم بمعايير عالمية، لكنه يطبقها بشكل انتقائي ليحمي «الغرب» وحلفاءه من النقد. فلسطين هي «الاستثناء» الذي يثبت القاعدة الغربية، ومحور المقاومة يمثل استثناء الشرق لنفسه: هو يطالب العالم الإسلامي بـ«وحدة الأمة» و«مقاومة الاحتلال»، لكنه يطبقها بشكل انتقائي ليحمي المشروع الإيراني على حساب جيرانه. والخليج هو «الاستثناء» الذي يثبت قاعدة «المقاومة» الإيرانية، فالغرب الاستثنائي يقصف غزة باسم «الدفاع عن النفس»، والشرق الاستثنائي يقصف الخليج باسم «الدفاع عن المقاومة»
والفرق الآخر الذي يمكن رصده هو في الدافع الخفي وراء استثناء هابرماس ورفاقه، والذي قد يكون في عقدة الذنب التاريخية جراء الهلوكوست النازي، الذي أصبح وكأنه خطيئة تورث للأجيال في ألمانيا، بينما في خطاب منظري محور المقاومة خاصة لدى كثير من المثقفين العرب قد نجد تفسيرها في نظرية كره الذات، فحين يشعر المثقف بالانكسار والهزائم يبحث عن متنفس بدلا من مواجهة عجزه، فيُسقِط غضبه على من يعتبرهم أقوياء وأغنياء، وهو هنا يحدد هويته الاجتماعية بالانضواء تحت من يراهم مقاومين ومظلومين، وتشفّيه وشماتته من الطرف الآخر يعززان هذه الهوية التي يود الانتماء لها، ويشعر بالراحة والتفضيل الأخلاقي معها، وتعفيه من أن يقوم بأي دور، فإيران تقوم بما يجب، وقد يقول قائل ربما يكون عند بعضهم دوافع من الغيرة الاجتماعية التي يسميها نيتشه حقد العبيد، فعندما لا يستطيع المثقف أن يصل لمستوى من يكره يفرح بتراجعه وإلحاق الضرر به، خاصة أن فكرة التراجع عند كثير منهم مستبعدة، فبينما نجد أن الرئيس الإيراني قدم اعتذاره الخجول للخليج على ما بدر منهم، قبل أن يرتكس على رأسه مرة أخرى، نرى المثقف العربي المحترق من الداخل لا يمكن أن يتقدم خطوة للموضوعية، إلا حين يدعى لموائد الخليج وجوائزه، فينال منها ما ينال؛ ليعود تارة أخرى لغيرته وحسده منقلبًا تحت غطاء المقاومة الذي لا يستر العريان!
حين يصبح التناقض هو القاعدة
ما فعله بيان هابرماس، وما تفعله صواريخ إيران على الخليج، هو نفس الشيء: كلاهما سلط «الضوء الكاشف» على زيف الخطاب.
• ضوء كشف أن «العقلانية التواصلية» الهابرماسية تتوقف عندما تبدأ فلسطين.
• ضوء كشف أن «وحدة الأمة، ومقاومة الظلم» عند محور المقاومة تتوقف عندما تبدأ سيادة الخليج.
الرابط بين بيان هابرماس وخطاب محور المقاومة ليس سياسيًا، بل أنطولوجي: كلاهما يؤمن بأن «قضيته» أسمى من أن تخضع للمعايير الأخلاقية العادية. كلاهما يخلق «استثناءً» لنفسه، ويطبق القواعد على الآخرين. ما يجمع الخطابين هو «الدوغمائية الوظيفية»؛ أي استخدام المبدأ لخدمة الغرض، فالتناقض الصارخ في فلسفة هابرماس هو مرآة للتناقض في سياسة المحور؛ فكلاهما يسقط في فخ «المركزية»: مركزية الغرب المُذنب في حالة هابرماس، ومركزية «الولي الفقيه» الجيوسياسية في حالة المحور، بينما الحقيقة الفلسفية تقتضي أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ؛ فلا يمكن ادعاء الديمقراطية مع دعم الاستعمار، ولا يمكن ادعاء المقاومة مع استهداف الجار.
والمفارقة الساخرة هنا أن هابرماس كان يمكنه أن يكتب كتابًا عن «العقلانية التواصلية في فكر الحرس الثوري»، ومحور المقاومة كان يمكنه أن يتبنى «نظرية الدفاع الأمامي» الهابرماسية في تدمير الجيران. سيجدان أن لديهما الكثير ليتشاركاه؛ غير أنّ الضحايا هم أطفال غزة، وعمال الكويت، ومدنيو دبي ومواطنو اليمن والعراق وسوريا، هم وحدهم من لا يملكون رفاهية «الاستثناء»، هم وحدهم من يعيشون تحت الصواريخ، سواء كانت تحمل شعار «الدفاع عن إسرائيل» أو «مقاومة الاحتلال». هم وحدهم من يعرفون أن الفلسفة حين تتحول إلى أيديولوجيا، والخطاب حين يتحول إلى سلاح، فإن أول من يُقتل هو «المعايير العالمية».