لم تكن جائحة كورونا حدثا صحيا عابرا، بل لحظة كبرى انكشف فيها الإنسان أمام نفسه؛ أُغلقت الشوارع، وخفتت الأصوات، وتحول العالم الواسع إلى غرف صغيرة، ونوافذ يطل منها الناس على خبر لا ينقطع. وفي ذلك الزمن، صار البيت وطنا مؤقتا، وصارت الكمامة لغة، والمسافة أدبا اجتماعيا جديدا، والخوف زائرا لا يُرى.
غير أن الجائحة، على قسوتها، لم تُطفئ روح الإنسان؛ ففي قلب الرعب بقيت الدعابة حاضرة، لا بوصفها استهانة بالخطر، بل بوصفها حيلة نفسية واجتماعية لمقاومة الانكسار. كان الضحك في زمن كورونا ضحكا موجوعا؛ يخرج من بين الأخبار الثقيلة، ويجلس بجوار القلق، كأنه يقول للناس: ما زلنا أحياء.
فحين أُغلقت الأبواب، فُتحت نوافذ أخرى؛ نوافذ الضحك المرّ، والسخرية الذكية، والاعترافات الصادقة التي كشفت ما كنا نتجاهله في زحمة الحياة. بدا الخوف، في ذروة تمدده، كأنه يدفع الإنسان إلى البحث عن منفذ صغير يتنفس منه، ولو كان ذلك المنفذ ضحكة عابرة.
الوباء في هدي القرآن والحديث
لم يكن المرض في الوعي الإسلامي حادثا صحيا مجردا، بل قدرا من أقدار الله، وابتلاءً يكشف ضعف الإنسان، ويستدعي منه الصبر والرحمة والأخذ بالأسباب. فالإنسان، مهما بلغ علمه وقوته، يظل محتاجا إلى ربه، وإلى ما أودعه الله في الكون من سنن الوقاية والعلاج.
ويأتي لفظ «المرض» في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة؛ منها المرض الجسدي، ومنها مرض القلوب، وهو ما يفتح دلالة أوسع للابتلاء، دون أن يجعل كل مرض عقوبة أو علامة فساد. فالمرض قد يكون ابتلاءً، وقد يكون سببا للتذكير والرجوع، وقد يكون مجالا لظهور الصبر والتكافل والرحمة بين الناس².
أما في الهدي النبوي، فقد جاء التوجيه جامعا بين الإيمان والاحتراز، فقال صلى الله عليه وسلم:
«إذا سَمِعتُم به بأرضٍ فلا تَقدَموا عليه، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتُم بها فلا تَخرُجوا فِرارًا منه»³،
وهو أصلٌ في الحجر الصحي، يجمع بين منع انتشار الوباء، وحفظ النفس، ومنع الفوضى.
وفي موقف عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حين بلغه وقوع الطاعون في الشام، رجع وقال:
«نفرّ من قدر الله إلى قدر الله»⁴، وهي عبارة تختصر التوازن بين التوكل والعمل، وبين الإيمان والأخذ بالأسباب.
العودة القسرية إلى الأسرة
لم يكتفِ الفيروس بإغلاق الشوارع، بل أعاد فتح أبواب كانت موصدة منذ زمن؛ أبواب البيوت على أهلها. فجأة، ارتمى الناس في أحضان أسرهم بعد سنوات من الغياب خلف مشاغل العمل والسفر والمواعيد التي لا تنتهي.
وفي لحظة صادقة تكشف هشاشة الروابط اليومية، قال الفنان محمد عبده: «ما بقى بيجاما ما لبسناها، وأولادي طلعوا 10 وأحسبهم 9»⁵.. هي جملة تبدو خفيفة، لكنها تفضح غيابًا طويلًا داخل البيت الواحد، وتعيد طرح سؤال العلاقة بين الإنسان وأسرته حين يُسحب منه العالم فجأة.
كم منا كان يعيش تحت سقف واحد مع أهله دون أن يعرفهم حقًا؟ لقد ردّنا الحجر إلى الوجوه القريبة التي ألفنا وجودها حتى كدنا لا نراها، وجعل من الجلوس العائلي كشفًا مؤجلًا لمعنى البيت.
صار البيت، الذي كان محطة عابرة بين العمل والسفر والزيارات، عالمًا كاملًا، فيه: المكتب، والمدرسة، والمجلس، والخوف، والضحك، والانتظار.
كورونا في الحارة والبيوت
في الحارات، لم يكن الحجر خبرًا عامًا فقط، بل دخل التفاصيل الصغيرة للبيوت والمجالس. صار الباب يُفتح بحذر، والكيس القادم من البقالة يُعامل كأنه ضيف مشبوه، والخبز يُترك قليلًا قبل أن تمتد إليه اليد، والعبوات الصغيرة من المعقمات تتقدم على الدلال والفناجيل.
تبدلت عادات السلام؛ اليد التي كانت تمتد بالفطرة صارت تتراجع في منتصف الطريق، والوجه الذي تعود القرب صار يبتسم من بعيد. وكان في ذلك شيء من الحرج وشيء من الطرافة؛ فالناس لم ينسوا المودة، لكنهم صاروا يعبرون عنها بالإشارة، وبرفع اليد، وبعبارة «سلام من بعيد.. والمحبة من قريب».
وفي ذاكرة تلك الأيام، كانت رسائل الـ«واتس آب» تتحول إلى مجلس جديد؛ فيه التحذير، والدعاء، والنكتة، والمقطع القصير، والخبر العاجل، والإشاعة أحيانًا. وكأن الحارة، حين عجزت عن الاجتماع في المكان، اجتمعت في شاشة صغيرة يحملها كل واحد في يده⁶.
الخطاب الصحي.. لغة الخوف والانضباط
لم تكن كورونا جائحة أجساد فحسب، بل جائحة خطاب أيضًا، حيث تحولت الرسائل الصحية إلى لغة يومية تجمع بين التحذير والتوجيه، وتعيد تشكيل السلوك العام، حتى صارت الكلمة جزءًا من إدارة الأزمة.
وفي المملكة العربية السعودية، شكّلت الإجراءات الرسمية والتوعية المستمرة نموذجًا واضحًا لإدارة الأزمات، جمع بين القرارات الاحترازية والتواصل الفعال مع المجتمع، وتقديم الوقاية بوصفها مسؤولية جماعية⁷.
كانت الرسائل القصيرة، والتنبيهات اليومية، والمؤتمرات الصحفية، وشعارات التباعد، تصنع لغة جديدة للناس؛ لم تعد الجملة مجرد خبر، بل صارت أمرًا وتنبيهًا وتحذيرًا. وصار الناس يتلقون اللغة كما يتلقون الدواء: جرعات متكررة من الحذر والتذكير والطمأنة.
الكمامة.. رمز عالمي جديد
في زمن اختفى فيه الوجه خلف القماش، وُلدت لغة جديدة للتواصل. لم تعد الكمامة علامة مرض فحسب، بل أصبحت رمزًا للحماية والمسؤولية الجماعية. صار الوجه المخفي رسالة صامتة تقول:
«أحميك وأحمي نفسي».
ومع تسارع التداول الرقمي، اجتاح «إيموجي الكمامة» الهواتف كما اجتاح الفيروس العالم، حتى غدت الرموز التعبيرية مرآة للمزاج الإنساني العام: خوف، حذر، تضامن، وانتظار طويل لعودة الوجه كاملًا⁸.
القفشة.. الضحك في زمن الحجر
لم يرضخ الناس للهلع، بل اخترعوا لغة جديدة للتواصل مع الألم؛ لغة السخرية. لم تكن القفشة مجرد نكتة تُقال وتمضي، بل وثيقة شعبية تكشف طريقة الناس في ترويض الخوف، وتحويله من ثقل صامت إلى حكاية قابلة للتداول.
ومن القفشات التي ظلت تدور بين الناس:
«إذا عطست في المجلس صار المجلس فاضي قبل أن تقول الحمد لله»
«الكمامة صارت أهم من الجوال؛ تنسى الجوال وترجع، وتنسى الكمامة ما تطلع»
«البيت صار شركة متعددة الفروع: غرفة مكتب، وغرفة مدرسة، والصالة قاعة اجتماعات».
ولم تكن هذه السخرية استهانة بالخطر، بل محاولة لتوزيع ثقله على الكلمات، كي لا يبتلع الروح كاملة. فالناس لم يكونوا يضحكون لأنهم مطمئنون تمامًا، بل لأنهم يريدون أن يظلوا قادرين على التنفس.
كانت النكتة أشبه بكمامة نفسية؛ لا تمنع الخوف، لكنها تخفف دخوله إلى الصدر⁹.
أغاني الوباء
لم يكتفِ الناس بالكلمة الساخرة، بل انتقلوا إلى اللحن؛ فتحولت الأغنية إلى وسيلة تعبير وتوعية في آن واحد¹⁰.
ومن أبرز ما قيل في هذا السياق ما غناه عمر العبداللات:
قالت وش اللي حصل؟ وين الحقيقة وين؟ وش غيّر الحال؟ يا الله اجعلها خيرة¹¹
كما ظهرت مقاطع ساخرة مثل:
«ما نريد منكم بوسة»¹²
وذهبت أخرى إلى نقد غرور القوة:
«دولاراتكم رزمة رزمة عجزت قدام الوباء»¹³
وكأنها تذكر بأن الفيروس الصغير كشف ضعف العالم الكبير؛ فلا المال وحده يرد الخوف، ولا الدول العظمى تملك دائمًا نجاة الإنسان.
وجوه التضحية.. ملائكة الرحمة
وقف الأطباء في الصف الأول بوجوه أنهكها التعب، وأيدٍ لا تتراجع. كانت الكمامات تترك أثرها على الوجوه، لكن الأثر الأعمق كان في الروح؛ خوف مؤجل، وواجب لا ينتظر.
وانتشرت مشاهد لممرضات يواجهن الوباء بإرهاق ثقيل، ووجوه تحمل آثار الكمامات ساعات طويلة. كما ظهرت قصة ممرضة لم تستطع احتضان طفلتها بعد غياب، فاكتفت بعناق الهواء خوفًا من نقل العدوى.
وقال فاروق جويدة:
من كان مثلك لن يغيب وإن توارى.. سيظل في نبض القلوب منارًا ونضارًا¹⁴
هؤلاء هم ملائكة الرحمة الحقيقيون؛ لم يرتدوا أجنحة، بل ارتدوا كمامات وأقنعة واقية، ووقفوا سدًا منيعًا بين الناس والموت.
كورونا في الأدب والشعر
دخلت الجائحة الأدب، فصارت في الشعر والرواية والمقال، لأن الإنسان لا يترك الألم دون أن يرويه¹⁵.
صار الشعر سجلًا للعاطفة الجماعية، ولسانًا يختصر ما عجزت التقارير الباردة عن قوله.
ومن أصدق ما يلاءم تلك اللحظة قول جاسم الصحيح:
وما زلنا على مرّ المآسي نلوذ من المواجع بالنشيد.
ثم قوله:
وقفنا والحياة على محكّ أمام كوكب الكون العتيد.
وقال فواز اللعبون:
عمّا قريب نرى الأفراح غامرة ويرحل الحزن عنا وهو مخذول.
لم تكن هذه النصوص تبحث عن الخلود الأدبي بقدر ما كانت تحاول أن تمنح الخوف شكلًا يمكن احتماله، وأن تجعل من العزلة معنى قابلًا للقول.
الختام
خرج الناس من الجائحة وهم ليسوا كما كانوا. تغير معنى القرب، وتغير معنى الحياة. تعلموا أن الطريق قد يخلو فجأة، وأن الباب قد يُغلق طويلًا، وأن الإنسان قد يفتقد أشياء صغيرة لم يكن يحسب لها شأنًا: مصافحة، زيارة، مقعدًا في مجلس، أو ضحكة بلا خوف.
وبين الحجر والضحك، بقيت الذاكرة تحفظ ذلك الألم الخفي؛ ألمًا لم يمنع الناس من الضحك، ولم يمنع الشعر من الكلام، ولم يمنع الحياة من أن تبحث عن نافذتها الصغيرة.
عمّا قريب نرى الأفراح غامرة، ويرحل الحزن عنا وهو مخذول.