الدوغمائية ليست مجرد ثقة في الفكرة، بل هي انغلاق عليها. هي أن ترى رأيك حقًا مطلقًا لا يحتمل الخطأ، وترى غيرك على ضلال بيّن لا يحتمل الصواب، وهي بهذا المعنى تعطل واحدة من أعظم نعم الله على الإنسان: نعمة التفكر والتدبر، إذ كيف يتفكر من أغلق باب النظر؟ وكيف يتدبر من حسم النتائج قبل أن ينظر في المقدمات؟
وتظهر الدوغمائية في صور متعددة؛ فقد تكون دينية حين يتشبث الإنسان بفهم معين للنصوص دون اعتبار لسعة الشريعة، وتنوع اجتهادات أهل العلم، وقد تكون فكرية حين يعتنق الإنسان أيديولوجيا معينة، ويرفض كل ما يخالفها، وقد تكون اجتماعية حين يتعصب الإنسان لعادات أو تقاليد، فيرفض تطويرها أو مراجعتها، ولو ثبت خللها.
والخطير في الدوغمائية أنها لا تكتفي بإفساد صاحبها، بل تمتد آثارها إلى المجتمع؛ إذ تُغلق أبواب الحوار، وتزرع بذور الفرقة، وتُضعف القدرة على التعايش، فالمجتمع الذي تسوده الدوغمائية هو مجتمع يقلّ فيه الإصغاء، ويكثر فيه التصنيف، وتضيق فيه مساحات التفاهم.
وفي مقابل هذا الانغلاق، جاء الإسلام داعيًا إلى النظر والتفكر، رافضًا الجمود والتقليد الأعمى، إذ قال تعالى: {أفلا يتدبرون}، وقال: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}. فالأصل في المسلم أن يكون منفتح العقل، يزن الأمور بميزان العلم والعدل، ويجمع بين الثبات على الأصول، والمرونة في الفروع.
إن الفرق كبير بين «الثبات» و«الدوغمائية»، فالثبات تمسك بالحق مع وعي وبصيرة، أما الدوغمائية فهي تمسك بالرأي مع جهل وتعصب. الثبات يُثمر حكمة واتزانًا، بينما الدوغمائية تُثمر جفاءً وانغلاقًا.
ولعل من أهم أسباب الوقوع في الدوغمائية: ضعف التأصيل العلمي، وقلة الاطلاع، والخوف من التغيير، والخلط بين الهوية والرأي. فإذا ظن الإنسان أن مراجعة فكرته تهديد لهويته، فيتشبث بها ولو كانت خطأ.
ولعلاج هذه الظاهرة لا بد من إحياء قيمة الحوار، وتعزيز مهارات التفكير النقدي، وتربية النفس على التواضع العلمي؛ فكل إنسان يؤخذ من قوله ويُرد، وليس لأحد العصمة إلا للنبي ﷺ.
إن العالم اليوم، بما يشهده من تنوع وتداخل، أحوج ما يكون إلى عقول واعية لا دوغمائية؛ عقول تدرك أن الحقيقة لا تُختزل في زاوية واحدة، وأن الوصول إليها يحتاج إلى إنصاف وتجرّد.
وفي الختام، فإن الدوغمائية ليست قوة في الرأي كما قد يُظن، بل هي ضعف في النظر، وقصور في الإدراك. أما القوة الحقيقية فهي في أن تملك رأيك دون أن يملكك، وأن تبقى مستعدًا دائمًا لأن تقول: «ربما كنت مخطئًا»، فهذه الكلمة هي مفتاح الحكمة، وبداية الطريق إلى الحقيقة.