كان الدرس الأول من مستضيفنا الكريم، وهو رجل متقاعد اختار أن يصنع لنفسه حياة هادئة ومتوازنة بعيداً عن صخب المدن. فقد أنشأ على أرضٍ تقارب مساحتها خمسة آلاف متر مربع مزرعةً جميلة تضم منزلين؛ أحدهما له ولأسرته، والآخر لاستقبال الضيوف. كما زرع فيها مئات أشجار الزيتون إلى جانب أنواع مختلفة من الأشجار المثمرة، واهتم بتربية النحل والدجاج وبعض المواشي.
لكن ما أثار إعجابي لم يكن حجم المزرعة أو جمالها، بل الفكرة التي قامت عليها. فقد نجح الرجل في بناء نمط حياة يوفر له الراحة والصحة والاستمتاع بالوقت. معظم غذائه يأتي من منتجات طبيعية حوله؛ زيت الزيتون والعسل والخضروات والفواكه الطازجة، إضافة إلى ما يتبادله مع جيرانه من منتجات محلية طبيعية. كما أحاط نفسه بمن يساعده في إدارة المكان والعناية به، فأصبحت حياته مثالاً على أن التقاعد يمكن أن يكون مرحلة ازدهار جديدة لا مرحلة انكفاء أو انتظار.
ولعل أكثر ما يميز هذا الرجل حرصه الصادق على إسعاد ضيوفه. كان كرمه حاضراً في كل التفاصيل، لكنه كرم يخلو من التكلف والاستعراض. تشعر معه بأنك بين أهلك، ولذلك لا يغادره زواره إلا وهم يتطلعون إلى العودة مرة أخرى. وقد أدركت من خلال تجربته أن الرفاهية الحقيقية لا تعني الإسراف والبذخ، بل تعني أن يصنع الإنسان البيئة التي تمنحه السعادة والسكينة وتجعله يستمتع بكل يوم يعيشه.
أما الدرس الثاني فجاء من أحد الزملاء المشاركين في الرحلة، وهو رجل تجاوز الثمانين من عمره. ورغم ما واجهه من ظروف صحية وتحديات عديدة خلال حياته، إلا أنه كان الأكثر حيوية وتفاعلاً بيننا. يشارك الجميع أحاديثهم، ويستمتع بالرحلات واللقاءات والطعام والحوارات بروح شابة لا تعرف الاستسلام.
ولعل أكثر ما لفت انتباهي حماسه الكبير لمتابعة مباراة الهلال والنصر. كان ينتظرها بشغف حقيقي ويتابع تفاصيلها باهتمام يذكرك بأن الإنسان لا يشيخ حين يتقدم به العمر، بل حين يفقد اهتمامه بالحياة وشغفه بما يحب.
من خلال هاتين الشخصيتين أدركت أن السعادة لا ترتبط بالمال وحده، ولا بالصحة الكاملة، ولا بعدد السنوات التي نعيشها. السعادة تكمن في قدرة الإنسان على أن يصنع لنفسه حياة يحبها، وأن يحافظ على فضوله وشغفه مهما تقدمت به السنون.
عدت من هذه الرحلة وأنا أكثر اقتناعاً بأن أجمل استثمار يمكن أن يقوم به الإنسان هو أن يستثمر في جودة حياته. فمستضيفنا استثمر في بيئة تمنحه السكينة والطمأنينة، وزميلنا الثمانيني استثمر في روح متفائلة لم تستسلم للزمن ولا للظروف. وبين هذين النموذجين وجدت درساً يستحق أن يبقى: قد تطول الحياة أو تقصر، لكن قيمتها الحقيقية تقاس بقدرتنا على أن نحياها بامتنان وشغف ورضا.
كانت رحلة قصيرة في أيامها، لكنها طويلة في إثرها.