هذا الارتهان للماضي المتخيَّل يتعارض مع ما عبّر عنه بعض العارفين بقولهم إن «المؤمن يعيش وقته»، أي يتفاعل مع لحظته التاريخية بوصفها مجال التكليف والعمران، لا بوصفها زمنًا ناقصًا قياسًا إلى ماضٍ مُتخيَّل. فالحضور في الزمن ليس نفيًا للتاريخ، بل وعي بأن لكل عصر شروطه وأدواته ومسؤولياته.
ويعبّر عمر الخيام عن هذا الموقف الوجودي بوضوح حين يقول:
لا تُشغل البال بماضي الزمان
ولا بآتِ العيشِ قبلَ الأوان
واغنم من الحاضرِ لذّاته
فليس في طبع الليالي الأمان
غدٌ بظهر الغيب، واليومُ لي
وكم يَخيبُ الظن في المُقبِلِ
فالخيام لا يدعو إلى العبث أو الإنكار، بل إلى تحرير الوعي من أسر الزمنين: الماضي الذي لا يُستعاد، والمستقبل الذي لا يُملك، والانخراط في الحاضر بوصفه المجال الوحيد الممكن للفعل والمعنى.
ومن هذا المنظور، تبرز مفارقة لافتة حين يتحسّر بعض المعاصرين على «فقدان الهوية»، وهم يعيشون في ظروف من العافية واليسر وجودة الحياة لم تتوفر للأجيال السابقة. إن هذا التحسّر لا يعكس فقدًا حقيقيًا للهوية، بقدر ما يكشف عن اغترابٍ عن الحاضر، وعجز عن قراءة التحوّل بوصفه امتدادًا حضاريًا لا قطيعة ثقافية.
فلو قُدّر لعمر الخيام أن يسمع من أمثال هؤلاء شكواهم من فقدان الهوية، لربما تساءل: كيف يُفتقَد ما لم يُعش؟ وكيف يُبكى على زمن لم يُدرَك إلا في المخيال؟ إن الهوية، كما الزمن، لا تُستعاد بالبكاء، بل تُبنى بالفعل، وتُختبر في الواقع، وتُقاس بقدرة الإنسان على أن يكون ابن عصره دون أن يكون أسيرًا له.
استدعاء ذاكرة المكان خارج إطار التجربة التاريخية يحوّلها من وعيٍ بالزمن إلى نوستاليجا معطِّلة. فالعيش في الماضي المتخيَّل لا يُنتج هوية، بل يُعطّل تشكّلها. أما الهوية الحيّة، فهي التي تتجذّر في القيم، وتتحقّق في الحاضر، وتظل مفتوحة على المستقبل.