وإيمانا منها بهذه الحقيقة بنت منطقة عسير سياحتها على ما توفره الطبيعة من مناظر طبيعية خلابة. يعتبر الجرف الجبلي الذي يقسم منطقة عسير إلى منطقتين (تهامة والسراة) متمايزتين في كل شيء، مسؤولا عن تنوع الغطاء النباتي، والتكوين الجيولوجي، وتدفق المياه، ودرجات الحرارة، والمناخ وحياة البشر والشجر. الجرف الجبلي بالمنطقة الجنوبية الغربية من المملكة ظاهرة طبيعية شكلت منطقة عسير بيئيا وجغرافيا وثقافيا. الجرف الجبلي هو «كورنيش طبوغرافي» يوفر إطلالات فريدة، جعل من هذه الإطلالات أحد أهم المعطيات السياحية في عسير.
ولكن هل يا ترى بإمكان المناظر الطبيعة وحدها دعم صناعة سياحة مكتملة الأركان؟ الجواب بطبيعة الحال بالنفي. السياحة لغة مشتقة من جريان الماء: ساح الشيء بدون جهد وعناء يذكر. هذه متطلبات السائح أينما حل وأينما ذهب. ولكي يتم إرضاء متطلبات السائح فقد تطورت السياحة إلى أن أصبحت صناعة مزدهرة في كثير من دول العالم.
بالإمكان تصور السياحة على أنها قافلة تسير وفق خطة مدروسة، تتنقل بين محطة وأخرى، باختلافات جذرية بين المحطة والأخرى. بالإمكان هنا أيضا تصور برنامج يومي للسائح وتقديمه له بأفضل صورة ممكنة. السياحة هي سلسلة إمداد من نقاط الجذب السياحي أولا، وهي ثانيا توفر الخدمات المتكاملة لنقاط الجذب هذه. وإذا ما تم التمعن في هذين الجانبين أدركنا مدى وفرة نقاط الجذب السياحية، وهي المناطق الطبيعية من جبال ومنحدرات وغطاء نباتي وجو معتدل، على حساب الخدمات المرافقة لها. الحديث هنا عن سهولة الوصول إلى مواقع نقاط الجذب تلك، ومدى توفر الخدمات اللوجستية من مواصلات، وتموين، وإقامة طويلة أو قصيرة الأجل، وبرامج سياحية يومية مستدامه. هنا يتضح بجلاء الحاجة إلى منظومة متكاملة من البرامج السياحية.
ويبقى البرنامج الليلي للسائح محل انتقاد مزمن لسياحة مستدامة بالمنطقة. غير أنه ومع الاهتمام بالسياحة مؤخرا، ومع الحراك الثقافي والمجتمعي الذي تشهده المملكة اليوم، فقد تنوعت البرامج الليلية بين أمسيات ثقافية، وعروض موسيقية وسينمائية، مغلقة أو مفتوحة في الهواء الطلق، وفنون شعبية، وعروض أزياء وغير ذلك مما يستجد من فعاليات متجددة باستمرار. وإذا ما أضيفت خصوصية المكان لعسير كحاضن لهذه الفعاليات، يتضح لدينا مدى التفرد الذي يمكن أن تقدمه السياحة المحلية للسائح.
في خضم الاهتمام بالسياحة ومواكبةً لما يمكن أن يوفره المكان لصناعة سياحية مزدهرة، تقفز إلى الأذهان سريعا سياحة الأرياف. فمن المعروف أن نمط الاستيطان الحضري في منطقة عسير - إذا ما استثنينا مدينتي أبها وخميس مشيط - يبقى ريفيا في معظمه، وهنا يتصدر الريف المشهد السياحي. ويتحول كل بيت أو مجموعة من البيوت المتجاورة التي تقع ضمن الريف باختلاف مواقعها وأحجامها إلى منتجع أو منتجعات ريفية، توفر إقامة متكاملة للسياح على غرار ما يعرف بـ «النزل بضم النون» في أرياف أوروبا. هذا التوجه من الاستثمار في الريف يبدو واعدًا لأكثر من سبب. فهناك أولا وفرة في هذا النوع من المساكن أو البيوت أو المنازل القائمة مسبقا، وهي لا تحتاج سوى إلى القليل من الجهد لإعادة تأهيلها.
ثانيا: هذا النوع من الاستثمار منخفض التكلفة بحكم توفر العقار ذاته. وثالثا: إن هذا التوجه مدفوع ذاتيا، من قبل أفراد المجتمع وكل ما يحتاج إليه هو تسهيل الجهات المختصة لهذا التوجه، وإمداد هذه التجمعات بما تحتاج من خدمات لتفعيلها. وإذا ما تم النظر إلى هذا التوجه من منظار بيئي خاص بمنطقة عسير، تتعزز صورة هذا التوجه والذي هو الآن في بداياته، ولكن بصورة فردية، ويبقى بحاجة إلى تذليل الصعوبات لتحقيقه.