روى ابنُ عطية في تفسيره أنَّ أحد العرب قرأ الآية: «وتلك الأيام نداولها بين العرب»، فقيل له أخطأت إنما هي نداولها بين الناس، فقال: «إنا لله، لقد ذهب ملك العرب ورب الكعبة». نداولها من جذر كلمة (دولة)، ولم يفهمها هذا العربي إلا بأنَّ الدولة -التي هي الدين- ستنتقل من العرب إلى غيرهم، وهذا ما يُؤَسِس لمعنى الخلافة التي بدأت بعد موت النبي، وسنلاحظ أنَّ لفظَة خليفة وردت في القرآن وأُريد بها الإنسان المطلق، أعني آية: «إني جاعل في الأرض خليفة»، أي أنَّ جنس الإنسان خليفة، وبهذا يكون كل فرد خليفة، وكأنَّ هذه الخلافة هي حالة تسبق الدولة/الدين، أي أنَّ العربَ لما مات النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يجدوا وصفًا يعطونه لخليفة النبي إلا شيئا يستعيد به مكانةً تُشبه النبوة، لكن الذي جرى أنَّ فترةَ الخلافة الراشدة كانت مليئة بالقلاقل والفتن والاضطرابات، لهذا فشل بحث العرب عن حالة لما قبل الدين/الدولة، وحسمها معاوية بن أبي سفيان بأن أسَّس الدولةَ الأموية وجعل الدين قلبَ الدولة. واللافت في رواية ابن عطية أن العربيَّ قال «مُلْك العرب» ولم يقل دولتهم، وهذا يعني أنَّ للعرب فهمًا خاصًا لكلمة (مُلْك) لا ينفصم عن دولة الدين، أو مجتمع الدين، إذ لما جاء الإسلام كان النبي ملكًا بالمفهوم العربي، وليس ملكا بالمفهوم الإمبراطوري أو كما تفهمه دول غير العرب التي تجعل الدين مستقلًا عن الدولة، ومعنى كون النبي ملكًا في ذهن العرب أي أنَّ كلُّ فرد تنازل بحقه بالخلافة –المأخوذة من الآية– للنبي، ولحظة النبوة عند العرب هي لحظة يتشكّل فيها المجتمع من تلقاء نفسه، لأنَّ العربَ آمنوا بالنبي إيمانًا حقيقيًا بأنه ملك العرب الذي سيجعل الدنيا تُدين لهم، ألا ترى أنَّ المقولةَ التي قالها النبي لقريش: «أريد منكم كلمة (تُدين) لكم بها العرب، وتؤدي لكم الجزية العجم» إنما هي إشارة إلى (تَديين) الدنيا؟ أي جعل الدنيا كلها –في بلاد العرب وخارجها– دينا على الطريقة العربية، ومما قد يؤكد ذلك ما قاله أحد العرب في قرون الإسلام الأولى: «لا أعرف ذنبي إلا في الجماعة» لأنَّ امتعاض الجماعة علامةٌ على الخطأ، وهذا معنى أن يكون الإسلام دولةَ المجتمع أو مجتمع الدولة، وقد جاء في الحديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» أي إحالة الحكم والمعيار على المجتمع والاجتماع.
مما تريد أن تقوله المقالةُ إنَّ لفظَ (الخلافة) يعني خلق مجتمع يصنع السلوكَ الشرعي تلقائيًا للحاكم والمحكوم على حد سواء وهو لفظ (الملك) الذي أطلقه ذلك العربي –في مطلع المقالة– على مقام النبوة نفسه، أما لفظ (الملك) الذي ولد مع دولة معاوية بن أبي سفيان فهو صناعة دولة تخدم أهداف المجتمع؛ وذلك بعد أن استقر مفهوم المجتمع الشرعي. وهذا التفريق بين الخلافة والملك يعني أنَّ الخلافةَ لا تُفهم إلا بوجود النبي؛ لأنه ملك بالمعنى النبوي عند العرب، وليس ملكًا بمعنى خليفة، إلا أننا نُلاحظ أنَّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»، وهذا قد يعني تمرير مَلكيّة النبوة إلى الخلفاء الراشدين، ومع ذلك فأبو بكر الصديق غُضِبَ عليه من جماعة عربية، فضلا عن أن ولاية الصدّيق قصيرة جدا وفلتة وقى الله المسلمين شرها كما قال عمر، وأما ابن الخطّاب فاغتاله شخص أعجمي، لعلّه كان غاضبًا من تديين بلاد فارس، وابن عفَّان اجتمع الخوارج حول بيته حتى قتلوه، وأما ابن أبي طالب فمات بسكينةٍ نُقعت بالسم شهرا كاملا، وهذا يجعل السؤال حول الخلافة سؤالًا يُصر على أنَّ الخلافةَ هي مرحلة ما قبل الدين، وما دام العربُ لا يعرفون أبدًا مرحلةً قبل الدين/الدولة، فإنهم قتلوا كلَّ من سعى ليكون خليفة للنبي، ولم يفهمها إلا معاوية بن أبي سفيان حين وضع فاصلًا صغيرًا بين مفهوم الدين والدولة أو مفهوم الدين والمجتمع، كبر ككرة الثلج حتى تكسّرت في الدولة العباسية وصار مُلك العرب إلى غيرهم، وهذا هو فهم ذلك العربي الذكي لآية «وتلك الأيام (نداولها) بين الناس».
التفاتة:
لم يسأل ابنُ الخطاب معاويةَ ما هدف الدولة؟ لأنه لم يكن يفصلها عن الزمان والمكان ولا يسأل عن فكرة الدولة لأنها غير واردة عنده إلا بمعنى الدين الذي يصنع الأحداث التاريخية ويغير مجراها. لكن معاوية فاجأ عمر بأن تحدّث عن وظيفة الدولة، وأجابه باللقاء الشهير عن سؤال: لماذا يصنع حاجزا بينه وبين الناس؟ قال: «لكي يهاب الناسُ الدولة». هذه الوظيفة البسيطة هي التي ستتطور لاحقا لتشرح الآلية التي تعمل في ضوئها الدولة الإسلامية.