في عالم كرة القدم، لحظات الإخفاق دائمًا مصحوبة بالغضب والبحث عن الأسباب، وهذا أمر طبيعي في منظومة ترتبط بعاطفة الملايين. فالجماهير لا تقبل الخسارة بسهولة، خصوصًا عندما تكون التطلعات كبيرة والطموحات ترتفع مع كل مرحلة جديدة. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في التعبير عن الغضب، بل في القدرة على قراءة المشهد بموضوعية بعيدًا عن ردود الفعل السريعة.

بعد خروج المنتخب السعودي من كأس العالم 2026، تصاعدت الانتقادات بشكل كبير، وبدأت رحلة البحث عن المسؤول الأول عن النتائج غير المرضية، وعن أسباب الخسائر والإخفاقات المتكررة وشح الإنجازات خلال السنوات الماضية. وفي خضم هذا المشهد، أصبح اسم رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم ياسر المسحل حاضرًا بقوة في دائرة النقد، حتى تحول لدى شريحة من الجماهير إلى عنوان رئيسي لكل ما لم يتحقق.

فالخطاب السائد هو أن رحيل المسحل سيكون نقطة التحول التي ستعيد المنتخب إلى طريق الإنجازات، وأن تغيير القيادة الإدارية سيكون كافيًا لمعالجة المشكلات المتراكمة. وبالفعل، تحقق هذا المطلب وغادر المسحل منصبه، لكن المشهد بعد الرحيل طرح أسئلة أكثر صعوبة من مرحلة المطالبة بالرحيل. فحين كان السؤال: «من المسؤول؟» كانت الإجابات كثيرة، لكن عندما أصبح السؤال: «من البديل القادر على قيادة المرحلة؟» بدأت الصورة تصبح أقل وضوحًا. ظهرت ترشيحات متعددة، إلا أن جزءًا منها بدا أقرب إلى ردود فعل عاطفية مرتبطة بالميول والانتماءات أكثر من كونها مبنية على تقييم حقيقي للكفاءة الإدارية والخبرة الرياضية.


وهنا تظهر المشكلة الأساسية؛ فالحديث عن رئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم ليس حديثًا عن منصب عادي أو كرسي إداري تقليدي. نحن أمام منظومة ضخمة ترتبط بمشروع رياضي وطني، وتحتاج إلى قائد يمتلك فهمًا عميقًا للعمل الرياضي، وخبرة في إدارة الملفات المعقدة، وقدرة على بناء العلاقات مع مختلف الأطراف، واتخاذ قرارات إستراتيجية تمتد آثارها لسنوات.

الانتقاد حق مشروع، بل هو ضرورة لتطوير أي منظومة، والمسؤولون في القطاع الرياضي يجب أن يكونوا تحت التقييم المستمر. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد الذي يبحث عن تحسين الأداء، والنقد الذي يبحث فقط عن شخص يحمل اللوم. فليس كل إخفاق له سبب واحد، وليس كل نتيجة سلبية يمكن اختصارها في قرار إداري أو اسم مسؤول واحد. فتجربة السنوات الماضية أثبتت أن نجاح المنتخبات لا يعتمد فقط على تغيير الأشخاص، بل على وجود مشروع متكامل يبدأ من تطوير المواهب، ورفع جودة المنافسات المحلية، وتحسين العمل الفني والإداري، وصناعة بيئة قادرة على تحقيق الاستمرارية.

واليوم، وبعد رحيل المسحل، يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل كان الرحيل هو الحل الحقيقي أم كان استجابة طبيعية لغضب جماهيري يبحث عن إجابة سريعة؟ وهل يوجد البديل الجاهز الذي يمتلك الرؤية والخبرة لقيادة المرحلة القادمة؟ وهل كان ياسر المسحل بالفعل هو السبب الرئيسي خلف كل إخفاقات المنتخب، أم أن هناك عوامل أخرى لم تحصل على القدر نفسه من النقاش؟ فالكرسي قد يتغير، والأسماء قد تتبدل، لكن النجاح لا تصنعه التغييرات وحدها؛ النجاح تصنعه المشاريع التي تستمر بعد رحيل الأشخاص.