لا أعرف كيف وصلت ومن أوصلني إلى هذا المكان الغريب، تحيط بي الأبواب المغلقة والأدراج اللولبية من كل زاوية تقع عيني عليها، أنا لست في جزيرة معزولة لأن البحر لا يحيط بي، ولا فوق الغيوم لأنني لا أرى السماء من فوقي، حاولتُ النظر إلى الأعلى فتقلّصت دائرة الرؤيا حتى أصبحت نقطة سوداء بعيدة، ربما أكون في بهو عمارة شاهقة من ألف طابق أو فوق سطح بئر عمقها ألف ذراع، الضوء الخافت حولي يطلي الجدران والصمت يُغرق ويخنق كل شيء، لا أعرف من يملك هذا المكان ولا ما يوجد خارجه، وقد يكون هو نفسه الخارج لمكان آخر، الشيء الوحيد الذي أجزم به هو أنني أنا، وأنني أشعر بنوع من الألفة المبهمة والتقارب المبطّن مع هذا المكان الغامض دون أن أعرف السبب.

تمالكتُ نفسي وأخفيتُ اضطرابي لأنني لا أملك خياراً آخر، نزلتُ إلى القبو فوجدتُ ممراً معتماً في آخره غرفة صغيرة نافذتها بحجم رقعة وجهي فقط، مكتوب قربها «هنا يقبع الندم»، استرقتُ النظر فوجدتُ ركاماً من القطع المكسّرة والشظايا المتناثرة بشكل فوضوي، حولها صناديق وهياكل وسلاسل ودمى ولوحات يحاول أشخاصٌ هُلاميون إصلاحها وترميمها بلا جدوى، يأخذون قسطاً من الراحة ثم يُعاودون الكرّة بلا فائدة، يبقى كل شيء على حاله وفي كل لحظة تسقط في الغرفة قطع مبعثرة جديدة على رؤوس التلال العتيقة، لفت انتباهي وجود برميل عريض وشفاف في الزاوية قد كُتبت عليه كلمة «دموع»، وعلى قاعدته العلوية تجثم كتلة حديدية تبدو ثقيلة جداً ومنقوش عليها بحروف باهتة كلمة «الأيام»، تركتُ القبو وصعدتُ إلى الطابق الأول بغمضة عين، قادتني أقدامي التي لم أكن أراها إلى سرداب يضيق شيئاً فشيئاً مكتوب على سقفه «هنا يعيش الخوف»، حاولت التقدّم فدفعتني قوة لينة إلى الوراء، وعندما قاومتها بعزمٍ أسقطتني على أرض ملساء ذات طبيعة إسفنجية مرنة، ثم سمعت صوتاً ذا صدى يقول لي:«يُمنع الغرباء من الدخول»، قررتُ حينها حفظ ماء الوجه فابتعدتُ على استحياء، وما هي إلا لحظات حتى كنت ضيفاً بلا دعوة في الطابق الثاني، تلفّتُ حولي فوجدت جميع النوافذ مفتوحة وستائرها تتراقص بوتيرة واحدة، كل نافذة تطلّ على شرفة مزينة بالورود المتنوعة، شعرتُ أن أنفي يريد احتضان أذنيّ ويرغب بالرقص معهما بلا توقف، سألتُ أنفي فأجابني بأنه يتلذذ بشمّ ما لذ وطاب من رائحة الطعام الشهي، أصغيتُ لأذنيّ فوجدتهما يرددان الألحان ويستمتعان بعبق الموسيقى الساحرة، رأيتُ مكتبةً خشبية تحمل بين أرففها عشرات الكتب الزاهية، أمسكت ببعضٍ منها طمعاً بمعرفة المؤلفين فأبصرت اسماً واحداً هو «الحياة»، تصفّحتُ العناوين فوجدتُ اللقاءَ والشفاءَ والنجاحَ والثراءَ والراحةَ وحتى الشبع، ومن السقف تتدلى يافطة ذهبية مكتوب عليها «هنا يسكن الفرح»، لم أود المغادرة لكنني سمعتُ صوتاً وأحسستُ اهتزازاً ينبري من الطابق الثالث فلبيتُ النداء، فتحتُ البابَ فسقط البابُ أمامي، نظرتُ حولي فتطايرت عشرات الأطباق غير الفضائية وتصادمت فيما بينها لتسقط جثثاً هامدة فوق بعضها، كانت الجدران مزركشة بآثار القبضات وخدوش الأظافر وعلامات الشظايا، جلستُ للمرة الأولى على أريكة سوداء قربي فتنهدت هي وتململت وأطلقت زفيراً حاداً من الخيبة والامتعاض، وقفتُ بسرعةٍ عندما رأيتُ ورقةً تتسلل أمامي وتتمزق بعد أن فككتُ رموزها التي تقول لي: «أهلاً بك في عالم الغضب».

كان المكان طارداً ومنفّراً وصاخباً فوجدت نفسي في الطابق الرابع، هو أكبر الطوابق مساحة وأغربها على الإطلاق، فيه عشرات الغرف الكبيرة ومئات الخزائن الطويلة وآلاف الصور الملوّنة، بعض الأبواب مفتوحة وبعضها الآخر تكسوه أعشاش العناكب وبقايا القش الساقط سهواً من الطيور، كلّ شيء مكدّس وفوقه طبقة من الغبار الذي يحمل فوقه طيفاً من البصمات وضوءاً عابراً من الماضي، حاولتُ فتح إحدى الخزائن فقالت لي بنوع من التحبب: «اعذرني من فضلك، هنا تعيش الذكريات وهنا أيضاً تموت وتتكفّن بخصوصيتها، هنا تولد وهنا تكبر وهنا تشيخ، وغالباً ما تُدفن مع صاحبها دون أن يدري عنها أحد».


اضمحلّ الضوء فجأة واختفى كل شيء كنت أراه من قبل، ثم سمعتُ صوتاً ينبعث من طفولتي ويقول لي: «ليتوقف الآن كلّ شيء، لقد حان وقت الأحلام بحلوها ومرّها، لا ضوابط ولا حدود ولا قيود، ليغرق الجميع في غياهب النوم»، ثم وشوشني ذلك الصوت مرة أخرى: «هل شعرت بالسعادة في هذه الرحلة؟، لا تشعر بالغربة في هذا المكان، لقد كنتَ تتجول في عقلك!».