تخفق القلوب حيناً لنبأ سار، وتتحرك المشاعر حيناً آخر لنداء يحمل في طياته وابلاً من التقدير والوقار.

وما بين وادٍ شقّ في خاصرة التاريخ مجداً تليداً، ونخل في الدرعية حرس أحلام الملوك والأجداد، تولد رحلة ليست كباقي الرحلات.

هذه الخطى تتهيأ للانطلاق من قلب وادي الدواسر، بحكاياته العريقة وقبائله الشامخة وشيمه المتجذرة، يممت وجهها شطر شمال غربي العاصمة الروحية للتاريخ السعودي، نحو «نخل العذيبات» في الدرعية الأبية.


لم يكن الدافع قطعاً للمسافات فحسب، بل تلبية لدعوة كُتبت بمداد الوفاء والتقدير، لتشهد النفس تدشين كتاب المؤرخ المعماري القدير البروفيسور صالح لمعي مصطفى «صفحات من العمر.. سبعون عاماً في أروقة التراث».

حين تطأ قدمك أرض نخل العذيبات، لن تجد مجرد مزرعة تاريخية أو جدرانا طينية صامتة، بل ستشعر وكأنك دخلت زوبعة من الذكريات الوطنية الدافئة. العذيبات المكان الذي تنفس فيه عبق «التراث» بهيئة مؤسسة غير ربحية، رعاها الأمير سلطان بن سلمان بحب وعناية فائقة.

هنا، في هذا المفيض الساحر على ضفاف وادي حنيفة، تتشابك سعفات النخيل لتروي للأجيال كيف يمكن للطين أن يصمد، وكيف يمكن للهوية أن تبقى حية ونابضة.

الحضور في هذا المكان هو بحد ذاته معانقة لروح الدولة السعودية الأولى، واسترخاء في ظلال المجد الذي لم ينطفئ يوماً.

يأتي تدشين كتاب «صفحات من العمر.. سبعون عاماً في أروقة التراث» في هذا التوقيت، وبحضور عدد من المهتمين بالتراث، وممن عملوا في «العذيبات» قبل نحو أربعة عقود، ولا تزال بصمات جهودهم حاضرة في تفاصيلها؛ ليمثل وقفة وفاء لعالم أفنى عقوداً من عمره في ملاحقة تفاصيل التراث العمراني للمملكة.

من ثنايا العاصمة المقدسة والمدينة المنورة، مروراً بأزقة جدة التاريخية ومباني الرياض الطينية، وإلى المسجد الأقصى وقبة الصخرة والمسجد الأموي في بعلبك والجامع الأزهر في مصر، كانت عبقرية الفكر ودقة التنفيذ، للحفاظ على البعد الإنساني والهوية الحضارية الكامنة في التراث العمراني الإسلامي والمحلي.

هذا الاحتفاء يعكس عمق الأبوة الثقافية التي تنتهجها قيادتنا الرشيدة، أعزها الله، حيث لا يُنسى صاحب أثر، ولا يغيب جهد مخلص، بل يُرفع مقامه في محافل يحضرها الصفوة والنخبة من صناع الفكر والأدب.

أن يشد المرء رحاله من وادي الدواسر، عابراً خط الجنوب ومجتازاً رمال نجد الفسيحة، هو تجسيد حي للتلاحم الثقافي والاجتماعي بين أبناء هذا الوطن العظيم. الرحلة البرية الممتدة لنحو ستمائة كيلومتر تتحول من عناء السفر إلى خلوة تأملية مبجلة، كل كيلومتر يطويه المسافر، يقربه أكثر من مشهد مهيب يمتزج فيه الماضي بالحاضر، إنها رحلة الشوق من وادي الكرم والجود إلى واحة الفكر والتراث.

ستنتهي الليلة، وتغلق صفحات الكتاب الموشى بالصور والذكريات السالفة في ذلك الكتاب الموسوعي، لكن صدى الضحكات، وعبق القهوة السعودية في أروقة نخل العذيبات، ستبقى محفورة في الوجدان كأجمل المحطات التي يفتخر بها الإنسان طوال حياته.

دامت ديارنا منارة للعلم، وحاضنة للتراث، ومجمعاً للأوفياء.