في حديقة ديرٍ بسيطة، وبين نباتات البازلاء، توصّل مندل إلى القوانين التي تفسّر انتقال الصفات الوراثية من الآباء إلى الأبناء، واضعًا اللبنة الأولى لعلم الوراثة والجينات. كان اكتشافه سابقًا لعصره، لكنه جاء في زمن لم يكن مستعدًا لفهمه، فمرّت أبحاثه المنشورة عام 1866 مرورًا عابرًا، وتجاهلها كثير من العلماء، حتى كادت تُطوى مع صفحات النسيان.
ولم يزد القدر الرجل إلا ابتلاءً؛ فقد أنهكه المرض، ثم تعافى، قبل أن يعاوده مرة أخرى حتى توفي، دون أن يرى ثمرة جهده أو يسمع كلمة إنصاف من المجتمع العلمي الذي تجاهل أعظم أعماله.
ومضت الأعوام، حتى جاء علماء آخرون إلى النتائج نفسها، وبنوا عليها أبحاثهم، ثم اكتشفوا أن مندل سبقهم إليها بعقود. وربما كان يسرقون بعضها! وحينها لم يجد التاريخ العلمي بدًا من إعادة الحق إلى صاحبه، والاعتراف بأن ذلك الراهب الهادئ هو الأب الحقيقي لعلم الوراثة، وأن ما وصل إليه العلم الحديث في الجينات والحمض النووي والهندسة الوراثية إنما يقف على الأساس الذي وضعه.
قصة مندل ليست مجرد فصل في كتاب الأحياء، بل رسالة لكل باحث ومبدع: قد يتأخر الاعتراف، وقد يغيب التصفيق، لكن الحقيقة لا تشيخ، والعلم الصادق لا يموت. وربما كان أعظم تكريم لمندل أن اسمه اليوم يُدرّس في جامعات العالم، بينما اندثر ذكر كثير ممن تجاهلوه في حياته.