ولا ريب أن هذا التحول قد أدى إلى تراجع ملحوظ في حضور شاشة التلفزيون التقليدية، التي سادت لعقود طويلة المشهد الإعلامي، فكانت نافذة المشاهد الوحيدة على العالم.
لقد كان أفراد الأسرة في الماضي يجتمعون في وقت محدد أمام جهاز التلفزيون، لمتابعة نشرة الأخبار، أو المسلسلات، والبرامج الثقافية، والترفيهية، وكانت تلك اللحظات تشكل مساحة مشتركة للحوار والتفاعل الاجتماعي، في حين أصبح اليوم لكل فرد شاشته الخاصة، ومحتواه الخاص، ووقته الخاص، فتحولت المشاهدة من فعل جماعي، إلى تجربة فردية، يغلب عليها العزلة، والانفراد.
ولا شك أن الشاشة الزرقاء منحت المشاهد مزايا لم يكن التلفزيون قادرًا على توفيرها، فقد أتاحت الشاشة الزرقاء للمشاهد الوصول الفوري إلى الأخبار والمعلومات، كما منحته حرية اختيار المحتوى، وزمن المشاهدة، إضافة إلى إمكانية التفاعل المباشر بالتعليق، والمشاركة، وإنتاج المحتوى، بعد أن كان المتلقي مجرد مستقبل سلبي، لما تبثه القنوات الفضائية.
كما أسهمت خوارزميات المنصات الرقمية في تعزيز جاذبية هذه الشاشات، من خلال تقديم محتوى يتوافق مع اهتمامات المستخدم، وميوله الشخصية، الأمر الذي زاد زمن الاستخدام، وجعل الهاتف الذكي يتحول إلى رفيق دائم، يصعب الاستغناء عنه، حتى أصبح كثير من المتلقين، يبدأون يومهم، وينهونه بالنظر إلى هذه الشاشة الصغيرة، في عملية انغماس تام، تقترب من حالة الإدمان.
وفي المقابل وجد التلفزيون نفسه أمام تحديات غير مسبوقة؛ فالمواعيد الثابتة للبرامج، لم تعد تناسب إيقاع الحياة السريع، كما أن المحتوى التقليدي، بات يواجه منافسة شرسة، من المنصات الرقمية، التي توفر مكتبات ضخمة، من المواد المرئية القابلة للمشاهدة في أي وقت، ومن أي مكان.
ومع ذلك فإن التلفزيون لا يزال يحتفظ بمكانته في تغطية الأحداث الكبرى، والفعاليات الرياضية الحية، والبرامج الجماهيرية، غير أنه بات يواجه ضغطا لإعادة تعريف دوره، والتكيف مع تداعيات البيئة الرقمية الجديدة، عبر المنصات الذكية، وخدمات البث عند الطلب.
ولعل الصراع القائم بين التقنيتين اليوم، ليس صراعا بين جهازين فحسب، بقدر ما هو صراع بين ثقافتين مختلفتين في أسلوب التلقي، والاستهلاك الإعلامي، ثقافة المشاهدة الجماعية المنظمة، التي يمثلها التلفزيون، وثقافة التفاعل الفوري، والفردانية، التي تجسدها الشاشة الزرقاء، حيث بات المشاهد المعاصر، يقف بين هذين العالمين، حاملا هاتفه الذكي في يده، بينما تتراجع تدريجيا، صورة الأسرة الملتفة حول شاشة التلفزيون، في مشهد كان حتى وقت قريب جزءا أصيلا من تفاصيل الحياة اليومية.
وهكذا تبدو الشاشة الزرقاء قد نجحت إلى حد كبير، في إزاحة شاشة التلفزيون من فضاء المشاهد، بقدرتها على التكيف مع حاجات الإنسان المعاصر، وسرعة إيقاع حياته، لتبدأ بذلك فصلا جديدا في تاريخ الإعلام، ووسائل الاتصال، عنوانه الأبرز أن من يستحوذ على انتباه المشاهد، يملك المستقبل.