اسمه " محمد عبدالرحمن محمد صالح"،عرفته في بداياتي الصحفية، وبعد أكثر من عشرين عامًا على رحيله، وأنا أبحث عنه لأستعيد شيئًا من تلك السنوات. صفته الرسمية كانت «المحرر الرئيس بمركز الدمام». لكن المسميات الوظيفية لم تكن تعنيني آنذاك؛ فبالنسبة إليّ، كان محمد ببساطة الرجل الذي تصل إليه نصوصنا في طريقها إلى النشر.

نكتب الخبر أو التحقيق، يقرأه، ثم يعيده وقد حذف كلمة، أو نقل جملة، أو اختصر فقرة، أو وضع ملاحظة إلى جانب عبارة كنا نظن أننا فرغنا منها. كان صارمًا؛ فالصحفي، ولا سيما في بداياته، يحب جمله أكثر مما ينبغي، لذلك لم تكن تعديلاته تمر دائمًا بلا مقاومة داخلية.

غير أن محمدًا كان يفعل شيئًا يجعل من صرامته تعليمًا؛ كان يقول لنا " لماذا.. لماذا هذه الكلمة لا تلك؟ ،ولماذا ينبغي أن تبدأ الفقرة من هنا؟ ولماذا هذه الجملة، على سلامتها، زائدة؟ ولماذا يؤدي التعبير المعنى، لكنه لا يؤديه بالدقة التي ينبغي؟" . لم يكن يصحح لنا اللغة فحسب، بل يعلمنا كيف نرى النص.


أنتمي إلى جيل من السعوديات دخلن الصحافة بـ "شهادات جامعية في تخصصات أخرى"! إذ لم يكن تخصص الصحافة متاحًا للمرأة كما هو اليوم. لذلك كان جانب مهم من تكويننا الصحفي يجري داخل غرف الأخبار، على أيدي رؤساء تحرير، ونخبة من قيادات العمل الصحفي، كانوا أساتذة حقيقيين في مسيرتي. تعلمت من أكثر من أستاذ، ولكل منهم فضل لا أنساه، وكان " محمد عبدالرحمن" واحدًا منهم. لم أكن أعرف آنذاك أن ما أتعلمه في غرف الأخبار سيصبح لاحقًا صلب مهنتي: كاتبة ومحررة، وأن مسيرتي مع الكتابة والتحرير ستستمر حتى بعد انتقالي من الصحافة إلى مجالات أخرى، فأجدني أفعل ما كان يفعله محمد؛ أقف أمام النص وأسأله إن كان يستطيع أن يكون أدق.

توفي محمد عبدالرحمن في الدمام صباح الجمعة 16 سبتمبر 2005، عن اثنين وخمسين عامًا. وحين بحثت عنه بعد كل هذه السنوات، اكتشفت أن ذاكرتي لم تكن تبالغ في أثر الرجل. قدم إلى المملكة عام 1978، والتحق بصحيفة «اليوم» في مايو من العام نفسه، وظل يعمل فيها حتى يناير 2000، متنقلًا بين أقسام التحرير، وكان آخرها القسم السياسي. في 2001 انتقل إلى صحيفة «الوطن»، وعمل في مركزي الرياض والدمام حتى رحيله؛ سبعة وعشرون عامًا تقريبًا قضاها في الصحافة السعودية، لكن الرقم وحده لا يقول أهم ما في الحكاية.

ففيما كتبته «الوطن» عنه بعد وفاته، وجدت الرجل الذي عرفته تمامًا؛ كان يساعد على بروز الصحفيين السعوديين الشباب، ويقيم للمحررين المبتدئين اللقاءات والندوات التعريفية، ويعد لهم المذكرات الإرشادية ويوزعها عليهم بمبادرة منه وعلى نفقته. وكتبت الصحيفة أن جيلًا من الصحفيين السعوديين «شب على يديه»، وأن بعضهم وصل لاحقًا إلى مواقع رفيعة في الصحافة السعودية؛ وبعد كل هذه السنوات، أعرف بين زملائي آنذاك من تشهد مسيرتهم اليوم على ذلك الأثر، وقد بلغوا مواقع متقدمة في الإعلام. توقفت طويلًا عند تلك العبارة؛ فما ظننته ذكرى شخصية بين محرر وصحفية مبتدئة كان جزءًا من سيرة أكبر، وما حسبته فضل رجل عليّ كان جزءًا من فضل أوسع على مهنة كاملة.

وللمحرر، من بين أصحاب المهن، حظ غريب من الاختفاء؛ فاسم الكاتب يعلو المقال، واسم الصحفي على التحقيق، واسم المراسل في الخبر، أما المحرر فقد يعبر عمره المهني داخل آلاف النصوص ، دون أن يعرف القارئ اسمه، أو يعرف من أنقذ مقدمة من الترهل، ورد كلمة إلى معناها، واكتشف أن المعلومة الأهم مدفونة في منتصف النص، أو حذف نصف صفحة لكي تظهر الفكرة التي كانت تختنق تحتها. إنها من المهن التي يكبر فيها الأثر فيما يظل صاحبه خارج المشهد؛ نقرأ النص ولا نعرف من أسهم في إحكامه، ونرى نجاح صاحبه ولا نرى دائمًا الأيدي التي صقلت تجربته في البدايات.

حين يكون المحرر معلمًا أيضًا، يتجاوز أثره الصفحات التي حررها إلى الذين تعلموا على يديه؛ فلا يصقل نصوصهم فحسب، بل يبني أدواتهم ويسهم في تشكيل مستقبلهم المهني، ثم يمضي أثره معهم إلى نصوص لم يكتبها، وخطوات لم يشهدها، ونجاحات قد لا يظهر اسمه فيها.

من محمد عبدالرحمن بدأت، ربما دون أن أدري، ملاحظة ظلت تعود إليّ كلما التقيت سودانيين يعملون بالكلمة: ما حكاية السودانيين مع التحرير؟ لا أطرح السؤال لأقيم مسابقة بين الشعوب في إجادة العربية، ولا لأقول إن المحرر الجيد " سوداني" بالضرورة؛ فللعرب مدارس صحفية ولغوية عريقة، وأنجبت بلدانهم قامات لا تختصرها مفاضلة من هذا النوع. لكنني أتحدث عن ملمح تكرر أمامي بما يكفي ليستحق السؤال.

رأيته أول مرة في الصحافة، ثم صادفته خارجها، ولفتني على نحو خاص لدى مستشارين قانونيين سودانيين عرفت عملهم ذلك الصبر على العبارة، والعناية بالمصطلح، والاستعداد للعودة إلى النص، لأن كلمة واحدة لم تستقر بعد في مكانها الصحيح. ولعل القانون من أكثر الحقول التي تكشف قيمة هذه العناية؛ فالكلمة فيه ليست " زينة أسلوبية"، وقد يترتب على اختيار لفظ أو ضبط مصطلح أو رفع التباس، اختلاف في الفهم والأثر. لذلك كنت أرى في تلك العناية شيئًا يتجاوز سلامة النحو والإملاء إلى احترام الكلمة نفسها، واحترام الحرفة التي تُصاغ بها.

وربما وراء هذا الملمح تاريخ الصحافة السودانية ومدرستها القديمة، وربما كان للأدب والشعر والقراءة والتعليم نصيب فيه، وربما كانت تقاليد مهنية تناقلتها أجيال؛ محرر يتعلم على يد محرر، ثم يحمل ما تعلمه إلى صحيفة أخرى، وربما إلى بلد آخر. لا أملك جوابًا قاطعًا، ولا أحتاج إليه لألاحظ أن التحرير، في أفضل النماذج التي عرفتها، لا يبدو مهمة تأتي بعد الكتابة، بل حرفة قائمة بذاتها.

فليس كل من يجيد العربية محررًا؛ قد تكون الجملة صحيحة ولا تكون جيدة، وقد تكون الكلمة فصيحة ولا تكون دقيقة، وقد يصل المعنى، لكنه يصل بعد عشرين كلمة وكان يستطيع أن يصل بعد عشر. والمحرر الحقيقي يعرف أن الاختصار ليس مجرد حذف كلمات، وأن الفصاحة ليست استعراض قاموس، وأن مهمته ليست أن يجعل النص أفخم، بل أن يجعله أوضح وأدق وأحكم.

وربما لهذا أتذكر محمد عبدالرحمن اليوم، في وقت تجاوزت فيه هذه الحرفة غرف الأخبار واتسعت قيمتها في المؤسسات؛ فالكلمة لم تعد شأنًا تحريريًا فحسب، بل أصبحت جزءًا من عمل المؤسسة وصورتها وعلاقتها بالناس، وفي نطاق أوسع، من الصورة التي يقدم بها الوطن نفسه إلى مواطنيه وإلى العالم. فدقة اللغة وجودة تحريرها ليستا شأنًا أسلوبيًا فقط؛ إنهما جزء من جودة العمل المؤسسي والصورة الوطنية معًا.

ففي فبراير 2026 أقرت المملكة «السياسة الوطنية للغة العربية»، في خطوة تجمع بين حماية العربية وإرثها اللغوي وتعزيز فاعليتها الحضارية والتنموية وحضورها في الإعلام والبحث العلمي ومجال الأعمال والاستثمار اللغوي. وهذه النقلة تكشف اتساع قيمة العمل التحريري نفسه؛ فمجال النص اليوم لا يقف عند المقال الصحفي، بل قد يكون نظامًا أو لائحة، وعقدًا أو حكمًا قضائيًا، وسياسة أو إجراءً، وتقريرًا أو محتوى رقميًا، وواجهة خدمة أو قاعدة بيانات، ومادة تدخل في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي. وفي اقتصاد المعرفة، لا تعود اللغة مجرد وسيلة نعرض بها المعرفة؛ إنها جزء من بنيتها.

ومن هنا، لم يقلل الذكاء الاصطناعي من أهمية المحرر كما قد يُظن، بل كشف، من زاوية أخرى، قيمة ما كان المحرر الجيد يفعله منذ زمن: يميز بين الصحيح والأدق، ويزيل الالتباس، ويضبط المصطلح، وينظم المعرفة، ويعرف أن تغيير كلمة واحدة قد يغير مفهومًا كاملًا. فالآلة تستطيع أن تقترح وتولد وتعيد الصياغة، لكن الإنسان يظل صاحب المنهج والحكم على المعنى والمسؤولية عنه. تغيرت الأدوات، لكن سؤال محمد القديم ما زال صالحًا: لماذا اخترت هذه الكلمة؟ بل ربما صار السؤال اليوم أثقل مسؤولية.

فالخطأ في جريدة الأمس كان يقرؤه آلاف، أما حين يدخل الخطأ في قاعدة معرفة، أو مورد لغوي، أو مجموعة بيانات تتعلم منها الأنظمة، فقد لا يبقى خطأً واحدًا، بل يصبح قابلًا لإعادة الإنتاج مرارًا. وهنا لا يعود المحرر حارسًا للأسلوب فحسب؛ يصبح حارسًا للمعرفة.

ولمحمد عبدالرحمن جانب آخر لم أعرفه ونحن نلتقي حول النصوص. كان أكبر أبنائه «فهد»، وأصغر أبنائه التسعة طفلة لم تكن قد تجاوزت الثالثة حين توفي، اسمها «وطن». توقفت عند الاسمين طويلًا؛ فرجل سوداني قدم إلى السعودية شابًا، وعاش فيها معظم حياته المهنية، وخدم صحافتها، ودرب أبناءها، وكون أسرته فيها، ثم ترك خلفه ابنًا اسمه فهد وطفلة اسمها وطن. قد تبدو تفصيلة عائلية صغيرة، لكنها تقول عن العلاقة بين الشعوب ما قد لا تقوله خطب طويلة.

فالعلاقة بين السعودية والسودان لا تختصرها السياسة والاقتصاد والمواقف الرسمية؛ وراءها أيضًا تاريخ إنساني صنعه أناس عاشوا وعملوا معًا، وترك بعضهم أثرًا في بعض. ولعل هذا العمق الإنساني يضيف معنى آخر إلى جهود المملكة اليوم لدعم استقرار السودان ووحدته وتخفيف معاناة شعبه؛ فبين الشعبين ما هو أقدم من الظرف، وأعمق من الخبر. وفي تجربتي أسماء سودانية كثيرة تشهد على شيء من هذا التاريخ، لكن محمد عبدالرحمن محمد صالح هو الاسم الذي بدأت منه هذه الحكاية.

ولأن للامتنان ذاكرة تعرف طريق العودة، أردت لهذا الشكر أن يعود إلى «الوطن»؛ الصحيفة التي عرفت فيها محمد عبدالرحمن، وكانت آخر محطاته المهنية. كان من العدل أن تشاركني الصحيفة التي جمعتنا هذا الوفاء، وأن يعود إليها، بعد أكثر من عشرين عامًا، مقال عنه، تقديرًا لها هي أيضًا.

لا أعرف كم صحفيًا سعوديًا ما زال يحمل شيئًا من محمد في طريقته في الكتابة، ولا كم مرة انتقلت ملاحظة قالها ذلك المحرر السوداني في غرفة أخبار بالدمام من صحفي إلى آخر، حتى وصلت إلى نص لم يقرأه محمد ولم يعرف صاحبه. لكنني أعرف أين بقي شيء من ذلك الأثر؛ أجده كلما حذفت كلمة أحبها لأن النص لا يحتاج إليها، أو أعدت جملة لأنها صحيحة لكنها ليست دقيقة بما يكفي، أو توقفت أمام نص قبل نشره وسألت: هل هذه فعلًا الكلمة التي أريدها؟ فبعض ما تعلمناه لا يبقى ذكرى؛ بل يصبح طريقة نكتب بها.

وها أنا، بعد أكثر من عشرين عامًا على رحيله، وقد مضيت شوطًا طويلًا في الكتابة والتحرير، أكتب عن رجل كان يراجع ما أكتب في بداياتي. ولن يستطيع محمد عبدالرحمن أن يعيد إليّ هذا المقال وعليه ملاحظاته. ويا لها من مفارقة؛ إنه المقال الذي كنت أتمنى، أكثر من أي مقال آخر، أن يراجعه.

إلى روح محمد عبدالرحمن محمد صالح، أحد أساتذتي في صنعة التحرير:

شكرًا. ليس لأنك كنت تجعل نصوصنا أفضل فحسب، بل لأن شيئًا منك بقي فينا، يجعلنا أفضل كلما كتبنا.