أحمد الرضيمان

المطلع على دواوين السنة الثابتة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يلحظ بوضوح كثرة الأحاديث التي تعظم من شأن ولي الأمر بأساليب متنوعة، تارة بالأمر بالسمع والطاعة له بالمعروف، وتارة بعدم منازعته الأمر، وتارة بعدم الإثارة والخروج عليه، وتارة بجمع الكلمة عليه، وتارة بالدعاء له بالتوفيق، وتارة برد القلوب النافرة إليه، وتارة بالثواب الجزيل لمن أطاعه بالمعروف، وتارة بالصبر وعدم نزع يد من طاعته وإن رأى الإنسان ما يكره، وتارة بالتهديد الوعيد لمن مات وليس في عنقه بيعة له، وتارة بالفضيحة يوم يقوم الأشهاد يوم القيامة لمن خان وغدر، إذ يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال هذه غدرة فلان، وتارة بالتوبيخ لمن يتعامل معه وفق المطامع الدنيوية، والعقود التجارية، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط ونابذ، وتارة بالتهديد بأن الله لا ينظر يوم القيامة، ولا يكلم، ولا يزكي، من أن أعطاه ولي الأمر وفى، وإن منعه لم يف، ولو سردت الأحاديث الثابتة في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من دواوين أهل السنة لاحتجت مئات الصفحات، ولكن هي موجودة بحمد الله في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة، فمن شاء فليرجع إليها.

ولذلك صار هذا الموضوع من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، يذكرونه في كتب العقائد، مخالفين به الفرق المارقة كالخوارج ونحوها.

يقول الطحاوي (238 - 321هـ) في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: «ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم ولا ننزع يداً من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله، عز وجل، فريضة ما لم يأمروا بمعصية وندعو لهم بالصلاح والمعافاة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة ونحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور والخيانة... ونرى الجماعة حقاً وصواباً والفرقة زيغاً وعذاباً».

ويجب أن يعلم: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، إنما أمر بتعظيم ولاة الأمور، وتوقيرهم، وعدم الخروج عليهم، لمصلحة الجميع.

لا كما يظن قصار النظر أن المستفيد من بيان حق ولي الأمر هم الحكام فقط، كلا، وإنما المستفيد الجميع: الراعي والرعية، بل المستفيد الأول هم الرعية، لأن الولاة يخدمونهم، ويسهرون على راحتهم وأمنهم، ويحملون عنهم الحمول الثقيلات، ويدفعون عنهم الأعداء... إلى آخر المهام العظيمة التي يقوم بها الولاة من أجل صالح الرعية، وهذا ما يجعل حقهم على الرعية عظيما، وهذا هو السبب في توكيد النصوص الشرعية على القيام بهذا الحق العظيم.