ماجد عبدالله السريحي

حين أُطلق قطار الحرمين السريع بدا وكأنه يختصر المسافة والزمن معاً. قطار بسرعة تشغيلية تصل إلى 300 كيلومتر في الساعة، يربط مكة المكرمة بالمدينة المنورة في نحو ساعتين إلى ساعتين و20 دقيقة عبر مسار يمتد لأكثر من 450 كيلومتراً.

ويضم المشروع أسطولاً يتكون من حوالي 35 قطاراً بسعة تقارب 417 راكباً لكل قطار، ما يمنح الشبكة قدرة تشغيلية كبيرة خصوصاً في مواسم الذروة. كما تشير التقديرات التشغيلية إلى أن الطاقة الاستيعابية الكاملة للمشروع قد تصل إلى نحو 60 مليون مسافر سنوياً عند التشغيل الأمثل.

لكن... ما إن نغادر لحظة الإعجاب الأولى، حتى يبرز سؤال أكثر واقعية: هل أصبح هذا القطار جزءاً من الحياة اليومية، أم ما يزال خياراً استثنائياً؟ المشكلة لا تكمن في البنية التقنية، بل في البعد الاقتصادي للاستخدام اليومي. فأسعار التذاكر بين مكة وجدة تتراوح تقريباً بين 50 إلى 75 ريالاً للدرجة الاقتصادية، بينما تصل في بعض المواسم أو الدرجات الأعلى إلى 150–300 ريال للرحلة الواحدة حسب الوجهة والطلب.

وهنا تتشكل المفارقة: مستخدم يومي قد يدفع ما بين 100 إلى 180 ريالاً يومياً للتنقل ذهاباً وإياباً، ما يعني كلفة شهرية قد تتجاوز 4000 إلى 5400 ريال تقريباً، وهو رقم يجعل الاعتماد اليومي على القطار غير عملي لشريحة واسعة من الموظفين والطلاب.

وعلى الرغم من ذلك، يبقى القطار إنجازاً تشغيلياً لافتاً، إذ سجل في مواسم الذروة تشغيل آلاف الرحلات، وتجاوز عدد المسافرين منذ الإطلاق حاجز 6.9 ملايين مسافر في عام واحد (2023) فقط، مع ارتفاع ملحوظ في الطلب خلال رمضان والحج.

هذه الأرقام تكشف أن المشكلة ليست في الإقبال، بل في الاستمرارية: فالطلب موجود، لكن «نموذج الاستخدام اليومي» ما يزال محدوداً.

في المقابل، تشير البيانات التشغيلية إلى أن القطار قادر نظرياً على نقل أكثر من 3.800 راكب في الساعة بين مكة والمدينة عند التشغيل الكثيف، وهو رقم يعكس حجم القدرة غير المستغلة بشكل يومي منتظم. من هنا، يبدو أن التحدي الحقيقي ليس تقنياً، بل في إعادة تصميم نموذج الخدمة نفسه.

الانتقال من التذاكر الفردية إلى الاشتراكات الشهرية المرنة قد يكون نقطة التحول الأساسية. اشتراكات مدعومة جزئياً من جهات العمل، أو باقات يومية وأسبوعية، يمكن أن تعيد تعريف القطار ليس كوسيلة سفر موسمية، بل كـ«نظام نقل وظيفي».

ولو تحقق هذا التحول، فإن الأثر لن يكون محدوداً:

رفع معدلات الاستخدام بنسبة قد تتجاوز 30–40%

تقليل الاعتماد على المركبات الخاصة

خفض الازدحام المروري في محاور جدة ومكة

وتحسين كفاءة التشغيل واستدامة العوائد

في النهاية، لا يحتاج القطار إلى أن يكون أسرع مما هو عليه؛ فهو بالفعل من بين الأسرع إقليمياً.

ولا يحتاج إلى تحسين جوهر التجربة؛ فهي متقدمة ومريحة.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في أن يصبح أقرب: أقرب لروتين الناس اليومي، لا مجرد خيار جميل في مناسبات السفر.