خالد بن سرحان المطيري

حين كانت الأمم تبحث عن طريقها في ظلمات الجهل، كانت الجامعات تُشبه النجوم البعيدة؛ لا تُسمع ضوضاؤها، لكن يُهتدى بها في التيه. لم تكن الجامعة يومًا مجرد مؤسسة تمنح الشهادات أو تُدير الجداول الدراسية، بل كانت عقل الأمة المفكر، وضميرها النقدي، ومصنع نخبها الحضارية. هناك وُلدت الفلسفات الكبرى، وتشكّلت النظريات العلمية، ونمت الأفكار التي غيّرت وجه العالم. فالجامعة في معناها العميق ليست بناءً تُرفع فوقه اللافتات، بل رسالة تُبنى بها الحضارات.

غير أن المتأمل في واقع كثيرٍ من جامعاتنا اليوم يدرك حجم الفجوة بين الفكرة العظيمة والواقع المرتبك. لقد فقدت بعض إدارات الجامعات بوصلتها المؤسسية، وانشغلت عن رسالتها التعليمية والبحثية بقشور الإدارة ومظاهرها؛ حتى غدت الجامعة في بعض صورها جهازًا بيروقراطيًا ضخمًا، يستهلك الموارد أكثر مما يُنتج المعرفة، ويُرهق الدولة أكثر مما يُسهم في نهضتها.

إن الأزمة لم تعد أزمة تمويل أو إمكانات فحسب، بل أزمة فلسفة وهوية. فحين تفقد الجامعة إدراكها لسبب وجودها، تبدأ رحلة التآكل البطيء؛ إذ تتحول الأولويات من بناء الباحث إلى صناعة التقارير، ومن إنتاج المعرفة إلى إدارة المناسبات، ومن تطوير العقل النقدي إلى تضخيم الهياكل الإدارية. وهنا تصبح الجامعة مشغولةً بتوافه الأمور، تُلاحق المظاهر وتُهمل الجوهر، حتى يبدو المشهد وكأن الإدارة أصبحت غايةً قائمة بذاتها، لا وسيلة لخدمة العلم.

وقد أدرك الفيلسوف الألماني هذه الحقيقة مبكرًا حين أسّس فلسفة الجامعة الحديثة في ألمانيا، فكان يؤمن بأن الجامعة لا تُقاس بعدد طلابها أو مبانيها، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة الحرة. وكان يقول: «غاية الجامعة ليست تلقين المعلومات، بل البحث المستمر عن الحقيقة».

وهذه العبارة تختصر الفرق الجوهري بين الجامعة الحية والجامعة الميتة؛ فالجامعة الحية تسأل، وتبحث، وتُشكك، وتُنتج، أما الجامعة التي فقدت رسالتها فتتحول إلى أرشيف إداري هائل، يتحرك كثيرًا لكنه لا يصنع أثرًا حقيقيًا.

ولعل أخطر ما أصاب بعض إدارات الجامعات هو الخلط بين «الإدارة الأكاديمية» و«العقلية البيروقراطية». فالإدارة الأكاديمية الحقيقية تُهيئ البيئة للبحث والإبداع، بينما البيروقراطية تُغرق الأكاديمي في التعقيدات والإجراءات. ولذلك أصبح الأستاذ الجامعي في بعض المؤسسات يقضي وقتًا طويلًا في تعبئة النماذج، ورفع التقارير، ومتابعة المنصات الإلكترونية، أكثر مما يقضيه في القراءة والبحث والإنتاج العلمي.

وقد عبّر المفكر الإداري عن هذا الخلل بدقة حين قال: «ليس هناك ما هو أكثر عبثًا من أداء عملٍ لا ينبغي القيام به أصلًا بكفاءةٍ عالية».

فبعض الجامعات تُتقن إدارة التفاصيل الصغيرة، لكنها تُخفق في رسالتها الكبرى. تُنجز المعاملات بسرعة، لكنها تعجز عن بناء باحثٍ عالمي. تُقيم المؤتمرات الاحتفالية، لكنها لا تُنتج بحثًا علميًا مؤثرًا. تُكثر من الشعارات الإستراتيجية، لكنها تفتقر إلى رؤية معرفية حقيقية.

وعندما نقارن هذا الواقع بالجامعات الغربية الكبرى، فإن الفارق لا يكمن في وفرة المال وحدها، بل في طبيعة الفلسفة المؤسسية. ففي، و، و،؟؟؟؟؟؟؟ وتُدار الجامعة بوصفها مشروعًا حضاريًا طويل الأمد، لا مجرد مؤسسة تشغيلية. هناك تُمنح الأولوية القصوى للبحث العلمي، ويُقاس نجاح الإدارة بمقدار ما تخلقه من بيئة خصبة للإبداع، لا بعدد الاجتماعات أو كثافة التعاميم.

فالجامعات الغربية الكبرى تُدرك أن الأستاذ ليس موظفًا عاديًا، بل هو رأس مال فكري. ولذلك تُوفر له الحرية الأكاديمية، والدعم البحثي، والوقت الكافي للإنتاج العلمي. أما في بعض جامعاتنا، فإن الأستاذ يُعامل أحيانًا بوصفه جزءًا من ماكينة إدارية، يُرهق بالأعباء التشغيلية حتى يخبو عطاؤه العلمي تدريجيًا.

وليس من قبيل المصادفة أن الجامعات الغربية أصبحت مراكز لصناعة الاقتصاد والتقنية والسياسة العالمية. فجامعة مثل؟؟؟؟؟ لم تُنتج مهندسين فحسب، بل أسهمت في تشكيل الثورة التقنية الحديثة. وكذلك لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل مصنعًا للنخب السياسية والفكرية عبر قرون طويلة.

أما كثير من جامعاتنا، فما تزال تدور في فلك التعليم التلقيني والإدارة التقليدية، عاجزةً عن التحول إلى مراكز إنتاج معرفي عالمي. ولهذا أصبحت بعض الحكومات تتحمل أعباء مالية هائلة على جامعات لا يوازي أثرها حجم ما يُنفق عليها، لأن الاستثمار الحقيقي في التعليم لا يُقاس بحجم الميزانية فقط، بل بحجم القيمة الحضارية الناتجة عنها.

وقد قال الفيلسوف الأمريكي: «التعليم ليس إعدادًا للحياة؛ التعليم هو الحياة نفسها». لكن كيف يصبح التعليم حياة، إذا كانت الجامعة نفسها قد فقدت روحها؟ وكيف تُنتج الجامعة عقلًا حرًا وهي تُدار بعقلية تخشى السؤال، وتُقدّس الإجراءات أكثر من الأفكار؟

إن الجامعة التي تنفصل عن البحث العلمي تتحول تدريجيًا إلى مدرسة كبيرة، والجامعة التي تنفصل عن المجتمع تتحول إلى جزيرة معزولة، والجامعة التي تنفصل عن هويتها تصبح عبئًا إداريًا مهما بدا بريقها الخارجي لامعًا.

ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإعادة طلاء الجدران أو تغيير الشعارات المؤسسية، بل يبدأ بإحياء فكرة الجامعة ذاتها؛ أن تكون بيتًا للحقيقة، وميدانًا للنقاش الحر، ومختبرًا للمستقبل. فالجامعة ليست مؤسسةً لتكديس الشهادات، بل مصنعاً لإنتاج الإنسان القادر على التفكير والنقد والإبداع.

إن الأمم العظيمة لم تنهض بكثرة المباني الفارهة، بل نهضت حين احترمت العقل، وحرّرت الجامعة من سطوة البيروقراطية، ومنحت العلم مكانته التي يستحقها. فحين تستعيد الجامعة رسالتها الحقيقية، تستعيد الأمة معها قدرتها على صناعة المستقبل؛ لأن الحضارات لا تُصنع بالأرقام والخطط وحدها، وإنما تُصنع بالعقول التي تؤمن بأن المعرفة هي القوة الأعظم في التاريخ.