حلا عبدالرحمن الهلالي

حلا عبد الرحمن الهلالي

في بيت جدتي، لم تكن الأعياد تُقاس بالتواريخ، بل برائحة دخان التنور الذي يتصاعد مع غروب كل شمس، ليعلن أن الود قد نضج تماما كما نضج اللحم والمرق. كان جدي ــ رحمة الله عليه ــ هو الميزان الذي تستقيم به كفة الحياة في عالمنا الصغير؛ رجل خسر بصره ليربح بصيرة نافذة، كان يعيش في عتمة الجسد ليصنع لنا عالما من الضياء والكرم.

كان جدي الآمر بالبذل يرى بقلبه مودة الغائبين فيقربها، ويأمر بالولائم احتفاء بلقائهم وهو لا يرى اتساع المائدة، لكنه يرى اتساع البهجة في أرواحهم. أما جدتي، فكانت هي «المجيبة بالوفاء والطاعة» والتعب؛ كانت «عينيه» التي يبصر بهما العالم، ويديه التي تعجن خبز الأيام بالصبر.

كنت أراقبها وهي تتحرك بخفة مذهلة، كأنها نحلة في بستان أزهار، تملأ المكان بابتسامة لا تغادر ثغرها أبدا. لم تكن تطلب ثناء، بل كانت تكتفي بالاختفاء النبيل خلف فرحتهم. وحين تهدأ العاصفة قليلا، وتجلس بثيابها المبللة بماء العطاء، كنت أسرق من زمنها خمس دقائق.. أضع رأسي على حِجرها، فأستنشق رائحة الجنة والخبز واليقين.

هناك تعلمت أن العظمة الحقيقية ليست في مَن يتسابق لجلوسِ صدر المجلس، بل في من يمنح المجلس صدره وحياته بابتسامة راضية.. هناك تعلمت أن العطاء هو أرقى أنواع السيادة. تلك الخمس دقائق كانت «صك أماني» ومرفأ روحي؛ جدي الأعمى علمني أن الطريق لا يحتاج دائما لمصباح، وجدتي المبللة بالتعب علمتني أن القيمة تصنع بالبذل لا بالظهور. أنا التي خلقت من طينة هؤلاء العظماء، أدركت اليوم أن الفراغ الذي كنت أخشاه لم يكن سوى مساحة شاغرة تنتظر مني أن أملأها بكرامتي.. وبحبري.