أحمد غاراش
تعقيبا على مقال "الحداثة البدوية" لمجاهد عبدالمتعالي. نعيش اليوم زمناً تبدو فيه البشرية أكثر حداثة من أي وقت مضى؛ جامعات، مراكز أبحاث، دساتير، انتخابات، إعلام رقمي، وذكاء اصطناعي. لكن خلف هذه الواجهة الحديثة، ما زالت كثير من الصراعات تتحرك بطاقة قديمة جدًا: طاقة العصبية والانتماء الجمعي.
فالإنسان لم يغادر تاريخه النفسي والقبلي بالكامل، بل أعاد تشكيله بلغة جديدة. تبدلت الأدوات، لكن كثيرًا من البنى العميقة بقيت كما هي.
ولهذا نرى في عالم اليوم صراعات تُدار بأدوات الحداثة:
عبر الإعلام، والمنصات الرقمية، والخطاب الحقوقي، والمؤسسات الديمقراطية، والبحث الأكاديمي، لكنها في جوهرها كثيرًا ما تخفي انحيازات: قومية، دينية، أيديولوجية، أو هوياتية. فالليبرالي قد يتحدث باسم الحرية بينما يتحرك بعصبية معسكره. والمحافظ قد يرفع شعار القيم بينما يدافع عن خوف جماعته من التغيير. واليساري قد يستخدم لغة العدالة بينما يمارس إقصاءً فكريًا لا يقل حدّة عن خصومه.
وهكذا تتحول الحداثة أحيانًا من مشروع لتحرير الإنسان من العصبية، إلى مجرد ساحة أكثر تطورًا تمارس داخلها العصبيات صراعها القديم.
وربما كان الخطأ الأعمق في بعض المشاريع الحداثية أنها تصورت، في لحظة حالمة، أن بالإمكان صهر المجتمعات البشرية داخل تشكيل إنساني متجانس؛ ثقافة واحدة، ومنظومة قيم واحدة، وهوية كونية واحدة تذوب داخلها الفروقات التاريخية والدينية والقومية.
لكن الواقع كشف أن الإنسان ليس كائنًا عقلانيًا مجردًا فقط، بل هو أيضًا:
ذاكرة، وانتماء، ورموز، ولغة، وشعور جمعي متراكم عبر التاريخ. ولهذا كلما حاولت بعض المشاريع الحديثة إلغاء الهويات أو تذويبها بالكامل، عادت هذه الهويات للظهور بصورة أكثر حدة، أحيانًا تحت شعارات قومية، وأحيانًا دينية، وأحيانًا ثقافية أو حتى أخلاقية.
ومن هنا تبدو الرؤية القرآنية مختلفة؛ فهي لا تنكر التنوع البشري أصلًا، بل تعتبره جزءًا من بنية الخلق نفسها:
﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾
فالاختلاف هنا ليس خطأ تاريخيًا ينبغي محوه، بل حقيقة إنسانية مقصودة. لكن النص في الوقت نفسه ينقل معيار التفاضل من الهوية إلى الأخلاق: ﴿إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم﴾.
وكأن المعادلة تصبح:
التنوع سنة كونية، أما القيمة الحقيقية للإنسان فلا تُقاس بعرقه ولا قوميته ولا طائفته ولا معسكره الفكري، بل بسلوكه الأخلاقي ووعيه وتقواه. ولهذا فإن المشكلة ليست في وجود الهويات والانتماءات، بل حين تتحول إلى أدوات استعلاء وصراع وإلغاء للآخر.
إن العالم الحديث لم يفشل لأنه امتلك أدوات متقدمة، بل لأنه ظن أحيانًا أن التقدم التقني وحده كافٍ لتجاوز الطبيعة النفسية العميقة للإنسان.
فالإنسان قد يدخل عصر الذكاء الاصطناعي... لكنه ما يزال يحمل داخله شيئًا من القبيلة القديمة.
فالإنسان لم يغادر تاريخه النفسي والقبلي بالكامل، بل أعاد تشكيله بلغة جديدة. تبدلت الأدوات، لكن كثيرًا من البنى العميقة بقيت كما هي.
ولهذا نرى في عالم اليوم صراعات تُدار بأدوات الحداثة:
عبر الإعلام، والمنصات الرقمية، والخطاب الحقوقي، والمؤسسات الديمقراطية، والبحث الأكاديمي، لكنها في جوهرها كثيرًا ما تخفي انحيازات: قومية، دينية، أيديولوجية، أو هوياتية. فالليبرالي قد يتحدث باسم الحرية بينما يتحرك بعصبية معسكره. والمحافظ قد يرفع شعار القيم بينما يدافع عن خوف جماعته من التغيير. واليساري قد يستخدم لغة العدالة بينما يمارس إقصاءً فكريًا لا يقل حدّة عن خصومه.
وهكذا تتحول الحداثة أحيانًا من مشروع لتحرير الإنسان من العصبية، إلى مجرد ساحة أكثر تطورًا تمارس داخلها العصبيات صراعها القديم.
وربما كان الخطأ الأعمق في بعض المشاريع الحداثية أنها تصورت، في لحظة حالمة، أن بالإمكان صهر المجتمعات البشرية داخل تشكيل إنساني متجانس؛ ثقافة واحدة، ومنظومة قيم واحدة، وهوية كونية واحدة تذوب داخلها الفروقات التاريخية والدينية والقومية.
لكن الواقع كشف أن الإنسان ليس كائنًا عقلانيًا مجردًا فقط، بل هو أيضًا:
ذاكرة، وانتماء، ورموز، ولغة، وشعور جمعي متراكم عبر التاريخ. ولهذا كلما حاولت بعض المشاريع الحديثة إلغاء الهويات أو تذويبها بالكامل، عادت هذه الهويات للظهور بصورة أكثر حدة، أحيانًا تحت شعارات قومية، وأحيانًا دينية، وأحيانًا ثقافية أو حتى أخلاقية.
ومن هنا تبدو الرؤية القرآنية مختلفة؛ فهي لا تنكر التنوع البشري أصلًا، بل تعتبره جزءًا من بنية الخلق نفسها:
﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾
فالاختلاف هنا ليس خطأ تاريخيًا ينبغي محوه، بل حقيقة إنسانية مقصودة. لكن النص في الوقت نفسه ينقل معيار التفاضل من الهوية إلى الأخلاق: ﴿إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم﴾.
وكأن المعادلة تصبح:
التنوع سنة كونية، أما القيمة الحقيقية للإنسان فلا تُقاس بعرقه ولا قوميته ولا طائفته ولا معسكره الفكري، بل بسلوكه الأخلاقي ووعيه وتقواه. ولهذا فإن المشكلة ليست في وجود الهويات والانتماءات، بل حين تتحول إلى أدوات استعلاء وصراع وإلغاء للآخر.
إن العالم الحديث لم يفشل لأنه امتلك أدوات متقدمة، بل لأنه ظن أحيانًا أن التقدم التقني وحده كافٍ لتجاوز الطبيعة النفسية العميقة للإنسان.
فالإنسان قد يدخل عصر الذكاء الاصطناعي... لكنه ما يزال يحمل داخله شيئًا من القبيلة القديمة.