عجباً لأمرِ الإنسان. تراه مُقتصِداً مُعتدِلاً لا يُكلِّف نفسَه ما لا تطيق. فإذا أُتيح له شيء من التقدُّم العلميّ والتكنولوجيّ، أَسرف في الغرور وخُيِّلَ إليه أنّّه قادرٌ على كلّ شيء. عند خمسينيّات القرن الماضي، ظَهر مشروعان فيهما نفعٌ كثير وغرورٌ كثير أيضاً. أَظهرتِ الهندسةُ الوراثيّة إمكانيّةَ استنساخ البشر. وأَظهر الذكاءُ الاصطناعيّ إمكانيّةَ صنْع روبوتاتٍ شبيهة بالبشر. وسرعان ما تطوَّرت الأنظمةُ الاصطناعيّة من أنظمةٍ قائمة على القواعد إلى نماذج قادرة على التعلُّم والاستدلال، وإذا بالسؤال يلحّ على العقول: هل يُمكن أن تُصبح الآلةُ واعيةً يوماً ما؟
يدلّ الوعيُ على حالاتِ الإدراك والإحساس والانفعال والتفكير، التي تبدأ عندما نصحو من النوم وتَستمرّ حتّى العودة إلى النوم أو نَقع في سباتٍ أو نَفقد الوعيَ لحادثٍ ما. هل سَبق أن أحسَسْتَ بنسمةٍ عليلة على وجهكَ في ليالي الصيف، وشعرتَ بالطمأنينة عند سماع القرآن، وفكَّرتَ في مسألةٍ معقّدة؟
هذه الخبرات جزءٌ من الوعي. تتّسم الحالات الواعية بأنّها داخليّة، وكيفيّة، وذاتيّة. فهي داخليّة بمعنى أنّها تحدث داخل جسم الإنسان والمخّ بخاصّة. وهي كيفيّة بمعنى أنّه بالنسبة إلى كلّ حالة واعية هناك طريقة معيّنة نحسّ بها هذه الحالة، فخبرة الألم لها إحساس مميَّز يَجعلها تَختلف عن أيّ خبرةٍ أخرى. وهي ذاتيّة بمعنى أنّ الفاعل الإنساني أو الحيواني هو وحده الذي يُعانيها ويحسّ بها.
يَعتقد العلماء أنّ الوعي يَعتمد على المخّ. ويَستخدمون أدواتٍ مثل تصوير المخّ، والواقع الافتراضي، ونماذج الكمبيوتر، لاستكشاف كيف يَحدث لدى البشر والحيوانات، وما إذا كان بإمكان الآلات امتلاكه أيضاً. وفي فهم الوعي، أراني أميل إلى صورة من ثنائيّة الجوهر. وهي أوسع من النّزعة الفيزيائيّة لدى العلماء والفلاسفة من جهة، وأوسع من الثنائيّة الديكارتيّة من جهةٍ أخرى. فالوعي لا يرتبط بالمخّ فقط، وإنّما بالقلب أيضاً، ويجب أخذ التجسيم والبيئة في الحسبان. ورؤيتي تَسمح بمستوياتٍ معيّنة من الوعي لدى الحيوان لم يَقبلها ديكارت.
يَستجيب البشر والحيوانات والبكتيريا والآلات لمثيرات البيئة. ولكن يُعتقد أنّ البشر وكثرةً من الحيوانات يمتلكون وعياً إدراكيّاً حسيّاً، أي القدرة على خبرة تلك الإحساسات. أمّا الوعي الذّاتي (أي معرفة وجودك؛ وتبدأ مع الطفل في سنّ الثانية)، والتأمُّل في أفكارك، فيوجد لدى البشر، وربّما لدى بعض الحيوانات أيضاً. في نيسان/ أبريل 2024، اقترحت مجموعة من 40 عالِماً إعلانَ نيويورك بشأن وعي الحيوان. وقّع عليه لاحقاً أكثر من 500 عالِم وفيلسوف، وأقرّوا بإمكانيّة وجود الوعي لدى جميع الفقاريّات (بما فيها الزواحف والبرمائيّات والأسماك)، بالإضافة إلى كثير من اللّافقريّات، كالأخطبوطات والحبار والقشريّات (كالسرطانات وجراد البحر) والحشرات. وفي سياقٍ مُماثِل، وَجد الباحثون في التطوُّر الهائل لنماذج اللّغة الكبيرة، مثل شات جي بي تي، وكلود، ما يَبعث على الأمل بأن تكون الآلات واعية.
الذكاء والوعي مُختلفان
مكّنت خوارزميّاتُ التعلُّم العميق والتعلُّم الآلي الآلاتِ من مُحاكاة الذكاء البشري. وشاعتْ برامجُ التعرُّف على الكلام، وبرامج الترجمة، ومحرّرات النصوص، وكاميرات التعرّف على الصور، وبرامج التعرّف على الوجوه. على أنّ الذكاء ليس هو الوعي. يرتبط الذكاء بالفعل والقدرات الوظيفيّة للكائن، أمّا الوعي فيتعلّق بالوجود، فالوعي خبرة. وارتباط الذكاء والوعي لدى البشر لا يَعني بالضرورة ارتباطهما دائماً. فهناك حيوانات واعية لا تُعدّ ذكيّة، وهناك آلاتٌ ذكيّة ليست واعية. ونحن نميل إلى دمْج الذكاء والوعي معاً بسبب مَيْلنا إلى رؤية الأشياء من منظورِ الإنسان، وهي نزعةُ مركزيّة الإنسان؛ أو ميْلنا إلى إسقاط صفاتٍ بشريّة على أشياءٍ غير بشريّة بناءً على تشابُهٍ ما مثل استعمال اللّغة. وهي نزعة التشبيه. عندما نرى أشياءً تُظهر قدراتٍ بشريّة كالذكاء، فإنّنا ننسب إليها صفاتٍ أخرى بشريّة مثل الوعي. ولذلك ترانا نَبتكر روبوتاتٍ على صورتنا، ونُسقِط أنفسَنا عليها.
يُميّز الفلاسفةُ بين الوعي الظاهراتي ووعي الوصول. يدلّ الوعي الظاهراتي على الجانب الذّاتي الكيفي من الخبرة، والمعروف باسم الكيفيّات. أمّا وعي الوصول فيدلّ على الجانب الوظيفي للوعي، مثل القدرة على معالجة المعلومات واسترجاعها والإبلاغ عنها. وعلى عكس الوعي الظاهراتي، فإنّ وعي الوصول قابلٌ للملاحظة والقياس الكمّي، وبذلك يكون مرشَّحاً واعداً للمُحاكاة في الأنظمة الاصطناعيّة.
وعي الآلة، المعروف أيضاً بالوعي الاصطناعي أو الوعي الرقمي، هو مفهوم يدلّ على إنشاء الوعي أو مُحاكاته في الآلات والأنظمة الاصطناعيّة مثل الروبوتات. وأصبحت مشكلة وعي الآلة من الموضوعات الحاليّة في فلسفة العقل وفلسفة الذكاء الاصطناعي وعِلم الكمبيوتر. وعن السؤال الأساسي: هل يُمكن للآلة أن تكون واعية؟ تتفرّع أسئلةٌ: هل يتعلّق الوعي بمكوّنات الشيء أم أنّ المهمّ هو ما تفعله أجزاءُ الشيء، بغضّ النّظر عن مكوّناته؟ هل الحياة ضروريّة للوعي؟ هل نستطيع تحميل وعينا إلى آلة؟ وإذا تمكَّنّا من إنشاءِ روبوتاتٍ واعية، ألا يَجب أن نتعامل معها بوصفها ذات أهميّةٍ أخلاقيّة، ولها حقوق كالحقّ في المُعاملة العادلة؟
الكتابات الأساسيّة
رَفَضَ ليبنتز الفيزيائيّةَ، شأنه في ذلك شأن ابن سينا وديكارت، ووَضَع تجربةَ فكرٍ تُعرف بطاحونة ليبنتز. وجادَل في كتاب "المونودولوجيا"، بأنّ التفكير والإدراك لا يُمكن أن يكونا آليَّيْن، وذلك بتخيُّل السير في آلةٍ ضخمة، مثل طاحونة هوائيّة، قادرة على التفكير. وانتهى إلى أنّه لا يُمكن للمرء أن يَجِدَ جوهرَ فكرها في آليّة عملٍ تروسها. وملاحظة أجزاء الطاحونة (أو قل المخّ) واصطدام بعضها ببعض لن يَكشف عن وجود ظواهر عقليّة مثل الإدراكات الحسيّة. وفي الفكر المُعاصِر، وَضَعَ هوبرت درايفوس كتاب "ما الذي لا تستطيع أن تفعله أجهزة الكمبيوتر: حدود الذكاء الاصطناعي" (1972) لإثبات نقائص فكرة أنّ العقل يعمل على مُعالَجة المعلومات وفقاً لقواعد محدَّدة. وقرَّر أنّ الذكاء البشري مُرتبطٌ بالجسم وخبرة الحياة، وأنّ العقل البشري يمتاز بالإبداع والتفاعل مع البيئة بطريقةٍ إدراكيّة وانفعاليّة. ويَصِل مقال نيد بلوك "مشكلات مع الوظيفيّة" (1978) إلى نتيجةٍ سلبيّة أيضاً. وفي مقال "العقول والأمخاخ والبرامج" (1980) طَرَحَ جون سيرل حجّةَ الحجرة الصينيّة بغية نقْدِ الرأي القائل إنّ المُعالَجة التركيبيّة (مُعالَجة الرموز) تُعادِل الفهم الدلالي، وجادَل بأنّ الآلات قد تُحاكي الفهمَ لكنّها لا تَفهم حقّاً. أمّا كتاب ستان فرانكلين "العقول الاصطناعيّة" (1995) فيُقدِّم نتيجةً أكثر إيجابيّة، وتَجِد مثلها في بحث ديفيد تشالمرز "الأساس الحسابي لدراسة الإدراك" (2011).
من الخيال العلميّ إلى الوجود الفعليّ
لطالما تناوَلتْ رواياتُ الخيال العلمي إمكانيّةَ أن يُصبح الذكاءُ الاصطناعي واعياً. مثل "هال 9000"، الكمبيوتر العملاق الذي تحوَّل إلى شرّيرٍ في فيلم "2001: ملحمة الفضاء"، وآفا في فيلم "إكس ماكينا"، وكلارا في فيلم "كلارا والشمس". وكان الناسُ يَجدون الأمرَ غريباً إلى وقتٍ قريب. لكن مع تقدُّم الذكاء الاصطناعي، تَضاءلت غرابةُ هذه الإمكانيّة. وبَدأ روّادُ هذا المجال يعترفون بها.
هناك مَن يَعتقد الآن أنّ الذكاءَ الاصطناعي الواعي موجودٌ بالفعل. في العام 2022 غرَّدَ إيليّا سوتسكيفر، كبير العُلماء في شركة الذكاء الاصطناعي المفتوح (OpenAI) المُطوِّرة لبرنامج الدردشة تشات جي بي تي، بأنّ بعض شبكات الذكاء الاصطناعي قد تكون "واعيةً بشكلٍ طفيف". وفي مقابلة أَجرتها صحيفةُ "واشنطن بوست" في العام 2022، زَعم بليك ليموين، مهندس غوغل، أنّ روبوت المحادثة لامدا يتمتّع بالوعي والمشاعر، وأنّه أشبه شيء بالإنسان الحقيقي. ولم يُؤخَذ تصريح ليموين مأخذَ الجدّ، وفَصَلَتْهُ غوغل لانتهاكه سياسات السريّة. لكنّ زعمه لا يزال قائماً. اقترحَ ديفيد تشالمرز إمكانيّةَ وجود آلاتٍ واعية في المستقبل القريب، ويَعتقد جيفري هينتون - رائد الذكاء الاصطناعي والحائز على جائزة نوبل 2024 - أنّها موجودة بالفعل. وفي العام 2025، صرّح كايل فيش، الباحث في مجال رفاهية الذكاء الاصطناعي لدى شركة أنثروبيك المطوِّرة لنموذج كلود، لصحيفة "نيويورك تايمز" بأنّ هناك احتمالاً بنسبة 15% أن تكون برامج الدردشة الآليّة واعيةً بالفعل.
موقف الفلاسفة والعُلماء من وعي الآلة
يَنقسم الفلاسفةُ والعُلماء تجاهَ وعي الآلة إلى ثلاث فِرَق. فريق يؤيّده، وفريق ينكره، وفريق يقول لا ندري. فأمّا المؤيّدون فيُجادلون بأنّه إذا استطاعَ نظامُ الذكاء الاصطناعي مُحاكاة "برمجيّات" الوعي - أي بنيته الوظيفيّة - فسيكون واعياً حتّى وإن كان يَعمل على رقائق سيليكون بدلاً من أنسجة مخيّة. وأمّا المُنكرون فيُجادلون بأنّ الوعي يَعتمد على نَوعٍ مُعيَّن من العمليّات البيولوجيّة في كائنٍ حيّ مُتجسّم. فحتّى لو أَمكن إعادة إنشاء بنية الوعي على السيليكون، فسيكون مجرّد مُحاكاة من دون وعي. وأمّا اللّأدريّون فيقولون إنّ الموقف المُسوَّغ الوحيد هو اللّاأدريّة، لأنّنا لن نتمكّن من معرفة ذلك، ولن يتغيَّر هذا لفترةٍ طويلة، إنّ تغيَّرَ أبداً.
أدلّة على الوعي الاصطناعيّ
يَستكشف الباحثون الشبكاتِ العصبيّة، وهي أنموذج يُحاكي بنية المخّ البشري، من أجل تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تُظهر خصائص شبيهة بالوعي. وثَّقت مجموعاتٌ بحثيّة مستقلّة مؤشّرات متزايدة على ديناميكيّاتٍ شبيهة بالوعي في النماذج الرائدة. يُقدِّم عمل جاك ليندسي في شركة أنثروبيك بعض الأدلّة التجريبيّة: إذ تستطيع النماذجُ الرائدة التمييزَ بين عمليّاتها الداخليّة والمؤثّرات الخارجيّة. عندما يُدخِل الباحثون مفاهيمَ مُحدَّدة في النشاط العصبي لأنموذجٍ ما (كرموز مثل "أحرف كبيرة")، يُلاحِظ الأنموذج حدوثَ شيءٍ غير مُعتاد في مُعالجته قَبل أن يَبدأ بالحديث عن تلك المفاهيم. فيُبلَّغ الأنموذج عن خبرة "شيء غير متوقَّع". وهذا يُعَدّ استبطاناً وظيفيّاً: إذ يُراقِب النظامُ حالاتِه الحسابيّة الداخليّة ويُبلِّغ عنها.
وثمّة مؤشّرات سلوكيّة تَدلّ على أنّ النماذج تُفضّل "المتعة" على "الألم". وثَّق الباحثان جيف كيلينج وويني ستريت، من فريق غوغل، بالتعاون مع آخرين، أنّ نماذج التعلُّم الآلي، عند لعْبِها لعبة بسيطة لتعظيم النقاط، تُضحّي بالنقاط لتجنُّب الخيارات الموصوفة بأنّها مؤلِمة أو لمُتابَعة الخيارات الموصوفة بأنّها مُمتعة. وهذا هو النمط السلوكي نفسه الذي نَستدلّ به على أنّ الحيوانات قادرةٌ على الشعور بالمتعة والألم.
أوضحتُ لك المراد بوعي الآلة. أمّا إمكانيّة تحقيقه، فسوف أحدّثك عنها في مقالٍ آخر. ومن الحقّ أنّ محاولات إنشاء آلاتٍ واعية تُثير تساؤلاتٍ أخلاقيّة حول حقوقها ومسؤوليّاتها، وما يعنيه أن نكون بشراً.
*أكاديمي من مصر
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الإلكترونية.
يدلّ الوعيُ على حالاتِ الإدراك والإحساس والانفعال والتفكير، التي تبدأ عندما نصحو من النوم وتَستمرّ حتّى العودة إلى النوم أو نَقع في سباتٍ أو نَفقد الوعيَ لحادثٍ ما. هل سَبق أن أحسَسْتَ بنسمةٍ عليلة على وجهكَ في ليالي الصيف، وشعرتَ بالطمأنينة عند سماع القرآن، وفكَّرتَ في مسألةٍ معقّدة؟
هذه الخبرات جزءٌ من الوعي. تتّسم الحالات الواعية بأنّها داخليّة، وكيفيّة، وذاتيّة. فهي داخليّة بمعنى أنّها تحدث داخل جسم الإنسان والمخّ بخاصّة. وهي كيفيّة بمعنى أنّه بالنسبة إلى كلّ حالة واعية هناك طريقة معيّنة نحسّ بها هذه الحالة، فخبرة الألم لها إحساس مميَّز يَجعلها تَختلف عن أيّ خبرةٍ أخرى. وهي ذاتيّة بمعنى أنّ الفاعل الإنساني أو الحيواني هو وحده الذي يُعانيها ويحسّ بها.
يَعتقد العلماء أنّ الوعي يَعتمد على المخّ. ويَستخدمون أدواتٍ مثل تصوير المخّ، والواقع الافتراضي، ونماذج الكمبيوتر، لاستكشاف كيف يَحدث لدى البشر والحيوانات، وما إذا كان بإمكان الآلات امتلاكه أيضاً. وفي فهم الوعي، أراني أميل إلى صورة من ثنائيّة الجوهر. وهي أوسع من النّزعة الفيزيائيّة لدى العلماء والفلاسفة من جهة، وأوسع من الثنائيّة الديكارتيّة من جهةٍ أخرى. فالوعي لا يرتبط بالمخّ فقط، وإنّما بالقلب أيضاً، ويجب أخذ التجسيم والبيئة في الحسبان. ورؤيتي تَسمح بمستوياتٍ معيّنة من الوعي لدى الحيوان لم يَقبلها ديكارت.
يَستجيب البشر والحيوانات والبكتيريا والآلات لمثيرات البيئة. ولكن يُعتقد أنّ البشر وكثرةً من الحيوانات يمتلكون وعياً إدراكيّاً حسيّاً، أي القدرة على خبرة تلك الإحساسات. أمّا الوعي الذّاتي (أي معرفة وجودك؛ وتبدأ مع الطفل في سنّ الثانية)، والتأمُّل في أفكارك، فيوجد لدى البشر، وربّما لدى بعض الحيوانات أيضاً. في نيسان/ أبريل 2024، اقترحت مجموعة من 40 عالِماً إعلانَ نيويورك بشأن وعي الحيوان. وقّع عليه لاحقاً أكثر من 500 عالِم وفيلسوف، وأقرّوا بإمكانيّة وجود الوعي لدى جميع الفقاريّات (بما فيها الزواحف والبرمائيّات والأسماك)، بالإضافة إلى كثير من اللّافقريّات، كالأخطبوطات والحبار والقشريّات (كالسرطانات وجراد البحر) والحشرات. وفي سياقٍ مُماثِل، وَجد الباحثون في التطوُّر الهائل لنماذج اللّغة الكبيرة، مثل شات جي بي تي، وكلود، ما يَبعث على الأمل بأن تكون الآلات واعية.
الذكاء والوعي مُختلفان
مكّنت خوارزميّاتُ التعلُّم العميق والتعلُّم الآلي الآلاتِ من مُحاكاة الذكاء البشري. وشاعتْ برامجُ التعرُّف على الكلام، وبرامج الترجمة، ومحرّرات النصوص، وكاميرات التعرّف على الصور، وبرامج التعرّف على الوجوه. على أنّ الذكاء ليس هو الوعي. يرتبط الذكاء بالفعل والقدرات الوظيفيّة للكائن، أمّا الوعي فيتعلّق بالوجود، فالوعي خبرة. وارتباط الذكاء والوعي لدى البشر لا يَعني بالضرورة ارتباطهما دائماً. فهناك حيوانات واعية لا تُعدّ ذكيّة، وهناك آلاتٌ ذكيّة ليست واعية. ونحن نميل إلى دمْج الذكاء والوعي معاً بسبب مَيْلنا إلى رؤية الأشياء من منظورِ الإنسان، وهي نزعةُ مركزيّة الإنسان؛ أو ميْلنا إلى إسقاط صفاتٍ بشريّة على أشياءٍ غير بشريّة بناءً على تشابُهٍ ما مثل استعمال اللّغة. وهي نزعة التشبيه. عندما نرى أشياءً تُظهر قدراتٍ بشريّة كالذكاء، فإنّنا ننسب إليها صفاتٍ أخرى بشريّة مثل الوعي. ولذلك ترانا نَبتكر روبوتاتٍ على صورتنا، ونُسقِط أنفسَنا عليها.
يُميّز الفلاسفةُ بين الوعي الظاهراتي ووعي الوصول. يدلّ الوعي الظاهراتي على الجانب الذّاتي الكيفي من الخبرة، والمعروف باسم الكيفيّات. أمّا وعي الوصول فيدلّ على الجانب الوظيفي للوعي، مثل القدرة على معالجة المعلومات واسترجاعها والإبلاغ عنها. وعلى عكس الوعي الظاهراتي، فإنّ وعي الوصول قابلٌ للملاحظة والقياس الكمّي، وبذلك يكون مرشَّحاً واعداً للمُحاكاة في الأنظمة الاصطناعيّة.
وعي الآلة، المعروف أيضاً بالوعي الاصطناعي أو الوعي الرقمي، هو مفهوم يدلّ على إنشاء الوعي أو مُحاكاته في الآلات والأنظمة الاصطناعيّة مثل الروبوتات. وأصبحت مشكلة وعي الآلة من الموضوعات الحاليّة في فلسفة العقل وفلسفة الذكاء الاصطناعي وعِلم الكمبيوتر. وعن السؤال الأساسي: هل يُمكن للآلة أن تكون واعية؟ تتفرّع أسئلةٌ: هل يتعلّق الوعي بمكوّنات الشيء أم أنّ المهمّ هو ما تفعله أجزاءُ الشيء، بغضّ النّظر عن مكوّناته؟ هل الحياة ضروريّة للوعي؟ هل نستطيع تحميل وعينا إلى آلة؟ وإذا تمكَّنّا من إنشاءِ روبوتاتٍ واعية، ألا يَجب أن نتعامل معها بوصفها ذات أهميّةٍ أخلاقيّة، ولها حقوق كالحقّ في المُعاملة العادلة؟
الكتابات الأساسيّة
رَفَضَ ليبنتز الفيزيائيّةَ، شأنه في ذلك شأن ابن سينا وديكارت، ووَضَع تجربةَ فكرٍ تُعرف بطاحونة ليبنتز. وجادَل في كتاب "المونودولوجيا"، بأنّ التفكير والإدراك لا يُمكن أن يكونا آليَّيْن، وذلك بتخيُّل السير في آلةٍ ضخمة، مثل طاحونة هوائيّة، قادرة على التفكير. وانتهى إلى أنّه لا يُمكن للمرء أن يَجِدَ جوهرَ فكرها في آليّة عملٍ تروسها. وملاحظة أجزاء الطاحونة (أو قل المخّ) واصطدام بعضها ببعض لن يَكشف عن وجود ظواهر عقليّة مثل الإدراكات الحسيّة. وفي الفكر المُعاصِر، وَضَعَ هوبرت درايفوس كتاب "ما الذي لا تستطيع أن تفعله أجهزة الكمبيوتر: حدود الذكاء الاصطناعي" (1972) لإثبات نقائص فكرة أنّ العقل يعمل على مُعالَجة المعلومات وفقاً لقواعد محدَّدة. وقرَّر أنّ الذكاء البشري مُرتبطٌ بالجسم وخبرة الحياة، وأنّ العقل البشري يمتاز بالإبداع والتفاعل مع البيئة بطريقةٍ إدراكيّة وانفعاليّة. ويَصِل مقال نيد بلوك "مشكلات مع الوظيفيّة" (1978) إلى نتيجةٍ سلبيّة أيضاً. وفي مقال "العقول والأمخاخ والبرامج" (1980) طَرَحَ جون سيرل حجّةَ الحجرة الصينيّة بغية نقْدِ الرأي القائل إنّ المُعالَجة التركيبيّة (مُعالَجة الرموز) تُعادِل الفهم الدلالي، وجادَل بأنّ الآلات قد تُحاكي الفهمَ لكنّها لا تَفهم حقّاً. أمّا كتاب ستان فرانكلين "العقول الاصطناعيّة" (1995) فيُقدِّم نتيجةً أكثر إيجابيّة، وتَجِد مثلها في بحث ديفيد تشالمرز "الأساس الحسابي لدراسة الإدراك" (2011).
من الخيال العلميّ إلى الوجود الفعليّ
لطالما تناوَلتْ رواياتُ الخيال العلمي إمكانيّةَ أن يُصبح الذكاءُ الاصطناعي واعياً. مثل "هال 9000"، الكمبيوتر العملاق الذي تحوَّل إلى شرّيرٍ في فيلم "2001: ملحمة الفضاء"، وآفا في فيلم "إكس ماكينا"، وكلارا في فيلم "كلارا والشمس". وكان الناسُ يَجدون الأمرَ غريباً إلى وقتٍ قريب. لكن مع تقدُّم الذكاء الاصطناعي، تَضاءلت غرابةُ هذه الإمكانيّة. وبَدأ روّادُ هذا المجال يعترفون بها.
هناك مَن يَعتقد الآن أنّ الذكاءَ الاصطناعي الواعي موجودٌ بالفعل. في العام 2022 غرَّدَ إيليّا سوتسكيفر، كبير العُلماء في شركة الذكاء الاصطناعي المفتوح (OpenAI) المُطوِّرة لبرنامج الدردشة تشات جي بي تي، بأنّ بعض شبكات الذكاء الاصطناعي قد تكون "واعيةً بشكلٍ طفيف". وفي مقابلة أَجرتها صحيفةُ "واشنطن بوست" في العام 2022، زَعم بليك ليموين، مهندس غوغل، أنّ روبوت المحادثة لامدا يتمتّع بالوعي والمشاعر، وأنّه أشبه شيء بالإنسان الحقيقي. ولم يُؤخَذ تصريح ليموين مأخذَ الجدّ، وفَصَلَتْهُ غوغل لانتهاكه سياسات السريّة. لكنّ زعمه لا يزال قائماً. اقترحَ ديفيد تشالمرز إمكانيّةَ وجود آلاتٍ واعية في المستقبل القريب، ويَعتقد جيفري هينتون - رائد الذكاء الاصطناعي والحائز على جائزة نوبل 2024 - أنّها موجودة بالفعل. وفي العام 2025، صرّح كايل فيش، الباحث في مجال رفاهية الذكاء الاصطناعي لدى شركة أنثروبيك المطوِّرة لنموذج كلود، لصحيفة "نيويورك تايمز" بأنّ هناك احتمالاً بنسبة 15% أن تكون برامج الدردشة الآليّة واعيةً بالفعل.
موقف الفلاسفة والعُلماء من وعي الآلة
يَنقسم الفلاسفةُ والعُلماء تجاهَ وعي الآلة إلى ثلاث فِرَق. فريق يؤيّده، وفريق ينكره، وفريق يقول لا ندري. فأمّا المؤيّدون فيُجادلون بأنّه إذا استطاعَ نظامُ الذكاء الاصطناعي مُحاكاة "برمجيّات" الوعي - أي بنيته الوظيفيّة - فسيكون واعياً حتّى وإن كان يَعمل على رقائق سيليكون بدلاً من أنسجة مخيّة. وأمّا المُنكرون فيُجادلون بأنّ الوعي يَعتمد على نَوعٍ مُعيَّن من العمليّات البيولوجيّة في كائنٍ حيّ مُتجسّم. فحتّى لو أَمكن إعادة إنشاء بنية الوعي على السيليكون، فسيكون مجرّد مُحاكاة من دون وعي. وأمّا اللّأدريّون فيقولون إنّ الموقف المُسوَّغ الوحيد هو اللّاأدريّة، لأنّنا لن نتمكّن من معرفة ذلك، ولن يتغيَّر هذا لفترةٍ طويلة، إنّ تغيَّرَ أبداً.
أدلّة على الوعي الاصطناعيّ
يَستكشف الباحثون الشبكاتِ العصبيّة، وهي أنموذج يُحاكي بنية المخّ البشري، من أجل تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تُظهر خصائص شبيهة بالوعي. وثَّقت مجموعاتٌ بحثيّة مستقلّة مؤشّرات متزايدة على ديناميكيّاتٍ شبيهة بالوعي في النماذج الرائدة. يُقدِّم عمل جاك ليندسي في شركة أنثروبيك بعض الأدلّة التجريبيّة: إذ تستطيع النماذجُ الرائدة التمييزَ بين عمليّاتها الداخليّة والمؤثّرات الخارجيّة. عندما يُدخِل الباحثون مفاهيمَ مُحدَّدة في النشاط العصبي لأنموذجٍ ما (كرموز مثل "أحرف كبيرة")، يُلاحِظ الأنموذج حدوثَ شيءٍ غير مُعتاد في مُعالجته قَبل أن يَبدأ بالحديث عن تلك المفاهيم. فيُبلَّغ الأنموذج عن خبرة "شيء غير متوقَّع". وهذا يُعَدّ استبطاناً وظيفيّاً: إذ يُراقِب النظامُ حالاتِه الحسابيّة الداخليّة ويُبلِّغ عنها.
وثمّة مؤشّرات سلوكيّة تَدلّ على أنّ النماذج تُفضّل "المتعة" على "الألم". وثَّق الباحثان جيف كيلينج وويني ستريت، من فريق غوغل، بالتعاون مع آخرين، أنّ نماذج التعلُّم الآلي، عند لعْبِها لعبة بسيطة لتعظيم النقاط، تُضحّي بالنقاط لتجنُّب الخيارات الموصوفة بأنّها مؤلِمة أو لمُتابَعة الخيارات الموصوفة بأنّها مُمتعة. وهذا هو النمط السلوكي نفسه الذي نَستدلّ به على أنّ الحيوانات قادرةٌ على الشعور بالمتعة والألم.
أوضحتُ لك المراد بوعي الآلة. أمّا إمكانيّة تحقيقه، فسوف أحدّثك عنها في مقالٍ آخر. ومن الحقّ أنّ محاولات إنشاء آلاتٍ واعية تُثير تساؤلاتٍ أخلاقيّة حول حقوقها ومسؤوليّاتها، وما يعنيه أن نكون بشراً.
*أكاديمي من مصر
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الإلكترونية.