سوزان عابد

على ستّة ألواح خشبيّة مُغطّاة بالرَّق ومُزدانة بالألوان الزاهية والمُذهَّبة، وَصلتْنا خريطةٌ تُعَدّ من أهمّ خرائط القرون الوسطى التي تُصوِّر العالَمَ آنذاك بقارّاته الثلاث آسيا وإفريقيا وأوروبا، وتُعرَف بـ "الأطلس الكتالونيّ". والسرديّة الأرجح حول تاريخ هذا الأطلس أنّه صُنع خصّيصاً كهديّةٍ فخمة قُدِّمت إلى المَلِك شارل الخامس مَلِك فرنسا، أهداه إيَّاه المَلِك بيدرو الرّابع حاكم مَملكة أراغون والحاكم الفعليّ لجزيرة مايوركا، والذي أسنَدَ إلى صُنّاع الخرائط في مايوركا مهمّةَ إتمام هذا الأطلس للإهداء، حيث كانت مايوركا آنذاك مركزاً مُهمّاً من مراكز صناعة الخرائط الأوروبيّة في القرون الوسطى.

ويُرجَّح أنّ تاريخ إتمام هذا "الأطلس" هو العام 1375م. وفي كلّ الأحوال فهو أُنتج في الفترة من 1370 -1380م، وهو اليوم محفوظٌ في المكتبة الوطنيّة في باريس، حيث سُجِّل من ضمن المقتنيات المَلكيّة الفرنسيّة منذ العام 1380.. ومن هنا تَبدأ قصّة هذا الأطلس المتميّز شكلاً ومضموناً.

يَنتمي "الأطلس الكتالوني" إلى نَوعٍ من الخرائط عُرف في القرون الوسطى بـ "المابَّاموندي" Mappamundi (كلمة لاتينيّة الأصل تعني خريطةَ العالَم)، إلّا أنّ "الأطلس الكتالوني" له من الخصوصيّة والتفرُّد ما يُميّزه عمّا وَصَلَنا من أطالس سابقة ومُعاصِرة له؛ إذ يَعكس سرديّةً مهمّة حول معرفة الغرب ورؤيته، وتحديداً أوروبا، عن الشرق بشكلٍ عامّ وقارّة إفريقيا بشكلٍ خاصّ. وهي سرديّة مَبنيّة في جزءٍ كبير منها على معلوماتٍ جغرافيّة، ركيزتها خرائط الملاحة البحريّة في حوض البحر المتوسّط والمعروفة بـ "خرائط بورتلان" Portolan، التي تهتمّ بتحديد مواقع الموانئ للرسوِّ فيها. أمّا الجزء الأهمّ من تلك السرديّة، فقد جاءَ وفقاً لكثيرٍ من المعارف العامّة والأساطير التي تناقَلها الرحّالة والتجّار، ولاسيّما كتابات ماركوبولو وغيره ممَّن ارتحلوا شرقاً للاستكشاف والمُغامَرة. فقد مَزَجَ "الأطلس الكتالوني" إذاً بين تقاليد رسْم خرائط "المابّاموندي" وبين دقّة خرائط "البورتلان" وواقعيّتها، فوصلتْنا سرديّةٌ مصوَّرة مُغايِرة.

وقَبل أن نتعمّق في سرديّة "الأطلس الكتالوني" المصوَّرة، لا بُدّ من تأطير بعض السمات العامّة التي حَرص عليها صانعُ الأطلس، والتي يُمكن أن تُمثِّل بمفهوم اليوم "مفتاح الخريطة" حتّى يسهل قراءتها وفهْم تمثيلاتها المتنوّعة. فإذا بَدأنا بقياساتِ الخريطة، فهي من النَّوع كبير الحجْم نسبيّاً، تَبلغ أبعادُها حوالى 4 أمتار× 69 سم. وقد صوَّرت المَعالِم الرئيسة للأطلس، كالتضاريس الطبيعيّة، ومنها البحار والأنهار باللّون الأزرق، المُمتلئة بخطوطٍ متعرّجة، باستثناء البحر الأحمر الذي جاءَ باللّون الأحمر القاني، في حين رُسمت الجبال الداخليّة باللّون البنّي على هيئة مرتفعاتٍ تُشبه قشورَ السمك. أمّا السلاسل الجبليّة فبعضها جاء في هيئة مخالب طَيْر كما في سلسلة جبال الأطلس في شمال إفريقيا.

وجاءتِ المُدنُ والموانئ كبناءٍ في شكل قلعة، يعلوها إمّا صليب للدلالة على المُدن المسيحيّة والأوروبيّة، أو قبّة كإشارةٍ إلى المُدن التي تَعتنق أغلبيّةُ سُكّانها الإسلامَ. واستُخدمت الأعلامُ والراياتُ للتعبير عن السيادة السياسيّة للنطاقات الجغرافيّة المُختلفة. وفي المجمل تمَّ تضمين أسماء ما يقرب من 1120 موقعاً جغرافيّاً. كما استُخدمت الرسوم الآدميّة للإشارة إلى حُكّامٍ بعينهم أو للتعبير عن أسطورةٍ ما، أو لتوضيح كينونةٍ وبيئةٍ بعيْنها.

ويتفرّد "الأطلس" بـ "وردة الرياح" بظهورها للمرّة الأولى على خريطةٍ بحريّة من خرائط القرون الوسطى، آخذةً شكلَ نجمة بثمانية رؤوس في نهاية كلّ رأس اسم من أسماء الرياح الثماني وفقاً لاتّجاهاتها الأصليّة والفرعيّة. اللّافت أنّ أسماء الرياح جاءت مزيجاً للغاتٍ عدّة مُختلفة تَعكس المصطلحات التي كان يَستخدمها البحّارة في ذلك العصر.. وفي الفقرات التالية نتجوَّل مُبحرين داخل أبرز تفاصيل "الأطلس" بعدما تزوَّدنا بمفاتيح قراءته، والتعمُّق في سرديّته المصوَّرة والنصيّة أيضاً، للوقوف على أهميّته وتفرّده.

لقد عَكس "الأطلس الكتالوني" في أولى صفحاته جزءاً من معارف القرن الرّابع عشر، وفي مقدّمتها استدارة الأرض ومركزيّتها، قَبل نظريّة مركزيّة الشمس التي صاغها نيكولاس كوبرنيكوس في مطلع القرن 16م، وأنّ الكون يتكوَّن من أربعة عناصر رئيسة هي الأرض والماء والهواء والنار. كما زُوِّد "الأطلس" برسومٍ توضيحيّة لحركة المدّ والجزر، والأعياد والأيّام المقدَّسة، وبرسْمٍ لـ "رجل الأبراج"، وتعاقُب الفصول الأربعة على مدار العام. والصفحة الثانية تشغلها دائرة البروج "زودياك"؛ في منتصفها الأرض وفيها رجل يحمل إسطرلاباً، يليها ثلاث دوائر تُمثِّل عناصر الكون الأخرى، ثمّ مدارات الكواكب السبعة، ومختلف أطوار القمر، يليها ستّ حلقات من بينها وصفٌ لتأثير وجود القمر عند كلّ برج. ورُسمت الفصول الأربعة في زوايا الأركان في هيئة صورٍ آدميّة.

"إفريقيا" في "الأطلس الكتالونيّ"

جاءت تمثّلات "الأطلس الكتالوني" عن إفريقيا أكثر عُمقاً، وتمزج بين الحقائق والأساطير، على عكس ما هو معتاد في الأطالس الأوروبيّة آنذاك؛ حيث كانت قارّة إفريقيا تصوَّر كأرضٍ مأهولة بالوحوش والكائنات الخرافيّة والغرائب؛ في حين صوَّرَ "الأطلس الكتالوني" شمال ووسط إفريقيا بصورةٍ أعمق، ولا سيّما أنّ الخرائط البحريّة تهتمّ بتحديد الموانئ الموجودة على طول الساحل الإفريقي المُطلّ على البحر المتوسّط، ولم يكُن هناك حاجة لتمثيل الداخل. أمّا في السرديّة الكتالونيّة، فنَجِد شخصيّاتٍ واقعيّةً عدّة، منها الحاكم المانسا موسى، الذي صُوِّر في هيئة رجلٍ ذي بشرةٍ سمراء داكنة جالساً ومُمسكاً بكرةٍ ذهبيّة، ومزوَّداً بنصٍّ كتالوني يَصفه بمَلِكِ جينويا (غينيا). ومانسا موسى حاكِمٌ إفريقيّ مُسلم اشتُهر بـ "أغنى رجلٍ في العالَم"، كان يَحكم مَملكةَ مالي التي تضمّ غينيا ومالي وبعض المناطق المُجاورة لهما في الفترة من 1312 و1337م، وفي عَهده بَلغت مَملكةُ مالي مكانةً عظيمة بين الدول الإفريقيّة ووطَّدت العلاقات الدوليّة مع بلدانٍ عدّة. ولعلّ أشهر ما عُرف به آنذاك هو مقدار ثروته من الذهب الخامّ وسخاؤه ورحلتُه الشهيرة إلى الحجّ.

وفي الوقت نفسه نَجِدُ أنّ "الأطلس" قد عَكس بعض المعارف الأسطوريّة الأوروبيّة عن إفريقيا آنذاك، ومنها النهر الأسطوري المعروف بـ "نهر الذهب" الذي يَمتدّ عرضاً من شرق إفريقيا إلى وسطها، وسادَ اعتقادٌ بأنّه يَحجز وراءه كنوزَ الذهب وخيرات القارّة السمراء. في حين أنّ الإشارة الأهمّ هنا هي رسم سفينة جاومي فيرير Jaume Ferrer ورحلته إلى اكتشاف "نهر الذهب" مزوَّدة بنصّ: "أَبحرتْ سفينةُ جاومي فيرير متّجهةً إلى نهر الذهب في العاشر من آب/ أغسطس العام 1346". وبالفعل تُعَدّ هذه الرحلة من أوائل الرحلات الأوروبيّة الاستكشافيّة لوسط إفريقيا، وما زالت محفوظةً في الذاكرة الجمعيّة لأهل جزيرة بالما في مايوركا؛ حيث تُخلَّد ذكرى هذه الرحلة بتمثالٍ لجاومي فيرير يَقف فيه شامخاً في أهمّ شوارع المدينة.

وإذا اتّجهنا شرقاً حيث "مصر" ودولة المماليك الموجودة في سُدّة الحُكم، نَجِد حاكم مصر جالساً بعباءةٍ وعمامة بيضاء متعدّدة الطبقات، مع إشارةٍ نصيّة تُفيد بأنّه سلطان بابليون (الفسطاط ومصر)، وهو من الحكّام العظام في هذه المنطقة. وفي الجزء الشمالي الشرقي نَجِد البحر الأحمر، مزوَّداً بنصٍّ يشير إلى أنّ أغلب التوابل القادمة من الهند تمرّ من خلاله وتَصِل إلى القصير ومنها إلى الفسطاط والإسكندريّة، وهو بالفعل الطريق الجنوبي البحري للتجارة الدوليّة المعروف اليوم بـ "طريق الحرير" البحري.

"آسيا" في "الأطلس الكتالونيّ"

على النقيض من السرديّة الإفريقيّة التي طَرحها "الأطلس الكتالوني"، والتي اتّصفت بواقعيّتها في كثيرٍ من التفاصيل، نَجِد أنّ صورة آسيا، الأكثر بُعداً من الناحية الجغرافيّة، جاءت أغلبها مَبنيّة على أساطير الرحلات الاستكشافيّة، وإنْ كان هذا لا يَنفي أنّنا أمام تجربة مميَّزة؛ فللمرّة الأولى يتمّ تصوير قارّة آسيا بشكلٍ كامل، وصولاً إلى الصين. وإذا بَدأنا من شمال آسيا حيث بحر قزوين أو بحر باكو كما يشير "الأطلس"، نَجِد جاني بك حاكم خانية مغول القبيلة الذهبيّة الذي تولّى حُكم البلاد في منتصف القرن 8ه/ 14م وإلى يمينه قافلة تسير في أحد فروع طُرق التجارة الدوليّة (طريق الحرير البرّي). وفي جنوب بحر قزوين نَجِد الحاكم المغولي ويُرجَّح أنّه السلطان أولجايتو خان حاكم دولة المغول الإيلخانيّين في إيران، وأشار إليه "الأطلس" بوصفه حاكماً لتبريز. وإلى الجنوب نَجِد الخليج العربي، المعروف بالفارسي وقتئذٍ، والذي ركَّز صانع "الأطلس" على أنّه غنيّ باللّؤلؤ ومنه يتمّ استخراجه وبيعه، وبالفعل في الجزء المتّصل بالمحيط الهندي نَجِد رسْماً لرجلَيْن يَصطادان اللّآلئ.

في حين جاء تمثيل شبه الجزيرة العربيّة مُقتضباً بعض الشي، فنَجِد رسماً لرجلٍ يؤدّي طقوس الصلاة رافعاً يدَيْه بالدعاء وإشارة إلى مدينة مكّة، وإلى اليمين سيّدة في هيئة فخمة تزدان بتاجٍ ذهبيّ هي المَلِكة بلقيس، وإشارة إلى أنّ هذه البقعة الجغرافيّة هي ذاتها التي حَكمتها مَلكة مَمْلكة سبأ الشهيرة. وفي وسط آسيا نَجِد تمثيلاً لسلطان بلاد الهند وإلى جواره نصّ يشير إلى أنّه يَمتلك سبعمائة فيل، ومائة ألف فارس.

أمّا الجزء الأكثر ثراءً، فهو شرق آسيا الذي صوَّره رسّامُ "الأطلس" اعتماداً على كثير من المعارف والأساطير المُتوارَثة؛ ففي الشمال الشرقي ثمّة تمثيلٌ لقصّة الإسكندر الأكبر ويأجوج ومأجوج مُحاطيْن بسورٍ من حَجَر، وفي الأسفل مَلِكٌ مُحاط بأتباعه، وإشارة إلى أنّه مَلِك يأجوج ومأجوج. إلى أن نَصِل إلى دولة الصين (كاتاي) والعاصمة "خان باليق" أو "دادو"، حيث أَشار رسّامُ "الأطلس" إلى أنّها المدينة التي يسكنها الحاكمُ المغولي أعظم ملوك التتار قوبيلاي خان الذي يَحميه 12.000 فارس ويُقيم في المدينة ثلاثة شهور فقط. وفي أسفل الخريطة، وتحديداً في المحيط الهندي، ثمّة رسْمٌ لجزيرة سومطرة.

على هذا، فإنّ "الأطلس الكتالوني" لا يُمثّل خريطةً للعالم فحسب، بل خريطةً للخيال الأوروبي في القرن الرّابع عشر أيضاً، حيث تتجاوَر المعرفة المِلاحيّة الدقيقة مع الروايات والأساطير والتصوُّرات الذهنيّة التي شكَّلت رؤيّةَ أوروبا لإفريقيا والشرق.

*كاتبة من مصر

*ينشر بالتزامن مع دورية افق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.