عبدالله فلاح العتيبي

مع الأصداء العالمية للاتفاق السعودي الأمريكي للتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، بدا وكأن المملكة تبدأ مرحلة جديدة في تنويع مصادر الطاقة. لكن الحقيقة أن هذه الرؤية ليست جديدة، بل تمتد جذورها إلى ما يقارب نصف قرن، حين أطلقت المملكة والولايات المتحدة عام 1977 مشروع SOLERAS، وهو برنامج للتعاون العلمي والتقني في أبحاث الطاقة الشمسية.

وفي عام 1980 دُشنت القرية الشمسية في العيينة، وهي محطة بحثية وتجريبية لتوليد الكهرباء تابعة لمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، بقدرة بلغت 350 كيلوواط، وكانت تهدف إلى تزويد القرى المجاورة، مثل العيينة والجبيلة بالكهرباء، وتُعد من أقدم المشروعات البحثية التطبيقية للطاقة الشمسية في المنطقة.

وبعد نحو خمسة عقود، تتجدد الفكرة نفسها، ولكن بأدوات مختلفة ورؤية أشمل. فالاستثمار في الطاقة النووية يعكس الرغبة ذاتها في تنويع مصادر الطاقة، إلا أن الرؤية الحديثة التي حملتها رؤية السعودية 2030 وسّعت هذا التوجه نحو بناء قطاع اقتصادي متكامل، وجذب استثمارات ضخمة، والاستفادة من أحدث التقنيات العالمية في هذا المجال.

لذا أجد هذه الاتفاقية جزءًا من مسار أشمل تتحرك فيه المملكة على أكثر من جبهة في وقت واحد. فالتوسع في الغاز، وزيادة الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ومشروعات الهيدروجين الأخضر والأزرق، ليست خطوات متفرقة، بل أجزاء من مفهوم واحد تسميه وزارة الطاقة «مزيج الطاقة الأمثل»، الذي يستهدف تنويع مصادر الإنتاج، ورفع كفاءتها، وتعزيز أمن الطاقة على المدى البعيد.

في تقديري، هذا هو التحول الجدير بالتوقف عنده. فالدول المؤثرة في مستقبل الطاقة لن تكون تلك التي تملك أكبر احتياطي من مصدر واحد، مهما بلغت أهميته، بل تلك القادرة على بناء منظومة تجمع النفط والغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين والطاقة النووية، فتمنح اقتصادها مرونة يصعب أن يوفرها مورد منفرد. والمملكة تملك من الموارد الطبيعية، ومن خامات اليورانيوم الواعدة، مما يؤهلها لبناء حضور مؤثر في هذه السلسلة.

الطاقة، كما تراها المملكة، ليست نفطًا فقط، بل منظومة اقتصادية وتقنية واستراتيجية متكاملة.

كان النفط بداية قصة النجاح السعودية، لكنه لم يعد القصة كلها. واليوم تكتب المملكة فصلًا جديدًا لا يقوم على استبدال النفط، بل على تحويل الطاقة من مورد واحد إلى منظومة، ومن ثروة تُصدّر إلى قدرة تُبنى.