الأمين عمر الأمين
في أحد مطابخنا بأم درمان، رأيت رجلًا كان يطعم جيرانه في سنوات السعة، ثم وقف ينتظر نصيبه من قدر الطعام. طأطأ رأسه خجلًا، فناولته الوجبة وقلت في نفسي: هذه الحرب تهدم البيوت وتقلب مقامات الناس، وتجعل الكريم محتاجًا في المدينة التي طالما أكرم فيها غيره. ومنذ ذلك اليوم أدركت أن الرصاصة التي أصابت الخرطوم خرجت من بندقية قريبة، ودفع ثمنها طامع بعيد.
من يطعم الجائعين يعرف ثمن الرغيف، ومن يدفن الموتى يعرف ثمن الرصاصة. وآلة الخراب التي عملت كل هذه السنوات احتاجت مالًا وسلاحًا وممرات مفتوحة وقرارًا إقليميًا يمدها بأسباب البقاء. فالميليشيا وجه الحرب الظاهر، وخلفها مشروع ينظر إلى السودان بوصفه ساحلًا طويلًا ومنجم ذهب وموقعًا صالحًا لتوسيع النفوذ.
ذلك المشروع يطوف حول الموانئ كما يطوف السمسار حول العقار، ويزن الأوطان بما في باطن أرضها، ويرى في الجيوش الوطنية عقبة، وفي الميليشيات جسورًا رخيصة إلى السلطة والثروة. ضاقت جغرافيته فاتسعت شهيته، وأراد تعويض قلة الأرض بكثرة الخرائط التي يضع عليها أصابعه. تبدو أبراجه عالية، وتبقى السياسة أرفع من الطوابق، فالدول تُعرف بما تصنعه من استقرار، وتُفضح بما تتركه خلفها من رماد.
قرأت المملكة العربية السعودية الخطر من أول سطر، ففتحت جدة بابًا للسلام، وجعلت حماية المدنيين أساسًا لأي مسار سياسي. وظل موقفها واضحًا في دعم وحدة السودان وصون مؤسساته ورفض التدخلات التي تطيل الحرب. ويحفظ السودانيون للمملكة أنها خاطبت دولتهم باحترام، ومدت يدها إليهم في ساعة امتلأت فيها الأيدي الأخرى بالسلاح.
يجمع السودان والمملكة بحر واحد وأمن تتصل أطرافه. وكل نار تشتعل على الضفة الإفريقية يصل دخانها إلى الضفة العربية، وكل سلاح يدخل إلى ميليشيا خارج سلطة الدولة يضيف تهديدًا جديدًا إلى أمن البحر الأحمر. ومن يساوم على ميناء سوداني يعبث بتوازن منطقة كاملة، ومن يعمل لإضعاف الجيش السوداني يخدم مشروعًا يستهدف بنية الأمن العربي من داخلها.
لهذا أقول عدونا واحد. هو المشروع الذي يصنع الوكلاء، ويمول الفوضى، ويقف في قاعات السياسة مرتديًا ثوب الوسيط. يضع المال في يد المقاتل، ثم يرفع راية السلام أمام الكاميرات. يتحدث عن مستقبل الشعوب، ويقيم نفوذه فوق حاضرها المحترق. وقد عرفه السودانيون من أثره؛ فالدخان يدل على النار، والذهب الخارج من البلاد يدل على اليد التي تنتظر ثمنه.
خصومتنا مع هذا المشروع السياسي، وتبقى الشعوب العربية أكبر من خطايا حكوماتها. فنحن أهل جوار ودين ومصير، وحماية هذه الروابط تقتضي مواجهة من يحول الأخوة إلى سوق، والدبلوماسية إلى ستار، والمساعدات إلى طريق خلفي يعبر منه السلاح.
سيخرج السودان من هذه الحرب مثقلًا بالجراح، محتفظًا بذاكرته. وسيتذكر من فتح له باب السلام، ومن فتح على أهله أبواب الجحيم. وسيعرف الطامعون أن الوطن الذي صبر على كل هذا الموت قادر على استرداد حياته وقراره.
عدونا واحد: كل مشروع يرى الوطن صفقة، والجيش عقبة، والميليشيا طريقًا. ووحدتنا واحدة أيضًا:
سودان حر موحد، ومملكة قوية تقود استقرار المنطقة، وشعوب تدرك أن أمن الخرطوم يبدأ من جدة، وأن أمن جدة يجد عمقه في خرطوم آمنة. فالدم العربي أمانة، ومن فرّقته خرائط السياسة تجمعه ساعة الخطر.
من يطعم الجائعين يعرف ثمن الرغيف، ومن يدفن الموتى يعرف ثمن الرصاصة. وآلة الخراب التي عملت كل هذه السنوات احتاجت مالًا وسلاحًا وممرات مفتوحة وقرارًا إقليميًا يمدها بأسباب البقاء. فالميليشيا وجه الحرب الظاهر، وخلفها مشروع ينظر إلى السودان بوصفه ساحلًا طويلًا ومنجم ذهب وموقعًا صالحًا لتوسيع النفوذ.
ذلك المشروع يطوف حول الموانئ كما يطوف السمسار حول العقار، ويزن الأوطان بما في باطن أرضها، ويرى في الجيوش الوطنية عقبة، وفي الميليشيات جسورًا رخيصة إلى السلطة والثروة. ضاقت جغرافيته فاتسعت شهيته، وأراد تعويض قلة الأرض بكثرة الخرائط التي يضع عليها أصابعه. تبدو أبراجه عالية، وتبقى السياسة أرفع من الطوابق، فالدول تُعرف بما تصنعه من استقرار، وتُفضح بما تتركه خلفها من رماد.
قرأت المملكة العربية السعودية الخطر من أول سطر، ففتحت جدة بابًا للسلام، وجعلت حماية المدنيين أساسًا لأي مسار سياسي. وظل موقفها واضحًا في دعم وحدة السودان وصون مؤسساته ورفض التدخلات التي تطيل الحرب. ويحفظ السودانيون للمملكة أنها خاطبت دولتهم باحترام، ومدت يدها إليهم في ساعة امتلأت فيها الأيدي الأخرى بالسلاح.
يجمع السودان والمملكة بحر واحد وأمن تتصل أطرافه. وكل نار تشتعل على الضفة الإفريقية يصل دخانها إلى الضفة العربية، وكل سلاح يدخل إلى ميليشيا خارج سلطة الدولة يضيف تهديدًا جديدًا إلى أمن البحر الأحمر. ومن يساوم على ميناء سوداني يعبث بتوازن منطقة كاملة، ومن يعمل لإضعاف الجيش السوداني يخدم مشروعًا يستهدف بنية الأمن العربي من داخلها.
لهذا أقول عدونا واحد. هو المشروع الذي يصنع الوكلاء، ويمول الفوضى، ويقف في قاعات السياسة مرتديًا ثوب الوسيط. يضع المال في يد المقاتل، ثم يرفع راية السلام أمام الكاميرات. يتحدث عن مستقبل الشعوب، ويقيم نفوذه فوق حاضرها المحترق. وقد عرفه السودانيون من أثره؛ فالدخان يدل على النار، والذهب الخارج من البلاد يدل على اليد التي تنتظر ثمنه.
خصومتنا مع هذا المشروع السياسي، وتبقى الشعوب العربية أكبر من خطايا حكوماتها. فنحن أهل جوار ودين ومصير، وحماية هذه الروابط تقتضي مواجهة من يحول الأخوة إلى سوق، والدبلوماسية إلى ستار، والمساعدات إلى طريق خلفي يعبر منه السلاح.
سيخرج السودان من هذه الحرب مثقلًا بالجراح، محتفظًا بذاكرته. وسيتذكر من فتح له باب السلام، ومن فتح على أهله أبواب الجحيم. وسيعرف الطامعون أن الوطن الذي صبر على كل هذا الموت قادر على استرداد حياته وقراره.
عدونا واحد: كل مشروع يرى الوطن صفقة، والجيش عقبة، والميليشيا طريقًا. ووحدتنا واحدة أيضًا:
سودان حر موحد، ومملكة قوية تقود استقرار المنطقة، وشعوب تدرك أن أمن الخرطوم يبدأ من جدة، وأن أمن جدة يجد عمقه في خرطوم آمنة. فالدم العربي أمانة، ومن فرّقته خرائط السياسة تجمعه ساعة الخطر.