فاطمة آل تيسان

ليست المحن وحدها ما يكشف معادن الدول والشعوب، بل تكشفها - أيضًا -المواقف حين تضيق المساحات، وتشتد الأخطار، ويصبح الوفاء اختبارًا لا تنفع معه الخطب المنمّقة ولا الشعارات المعلّقة على جدران المصالح. السعودية تجابه بعدوان يستدعي استحضار معنى التضامن، واستشعار مسؤولية الموقف، وإدراك أن أمنها ليس شأنًا عابرًا، وأن استقرارها ليس تفصيلًا يمكن التهاون فيه.

هذه البلاد التي جعلت من دعم الأشقاء، وإغاثة المحتاجين، ومساندة الدول في أزماتها، نهجًا ممتدًا عبر عقود، تستحق من الجميع مواقف تليق بما قدمته، لا أن تواجه جحودًا ممن امتدت إليهم أياديها بالعون والمساندة.

أثبتت التجارب أن بعض العلاقات لا تعرف الوفاء، بل حسابات المنفعة؛ يقترب أصحابها حين تكون الأبواب مفتوحة، تعلو أصواتهم بالامتنان حين تتدفق المصالح، فإذا تبدلت الظروف، واختُبرت المواقف، انفضّوا كأنهم لم يعرفوا يومًا اليد التي امتدت إليهم، أو كأن ما تلقوه كان واجبًا على الآخرين.

لا نتحدث عن شعوب بأكملها، ولا نضع الجميع في كفة واحدة؛ ففي كل شعب أصحاب مروءة ووفاء، كما أن في كل مجتمع من يغلب المصلحة على المبدأ. لكننا نتحدث عن كل موقف جاحد، وكل صوت اختار الصمت حين كان الواجب يقتضي الإنصاف، كل جهة قابلت الدعم بالتنكر، والمساندة بالمراوغة، والإحسان بالإساءة.

الخذلان ليس دائمًا بإعلان العداء؛ قد يكون في صمت متفرج، في ازدواجية معايير، في تبرير الاعتداء، وفي محاولة مساواة من يسعى لحماية أمنه، بمن يهدد ذلك الأمن. وقد يكون أشد إيلامًا حين يصدر ممن يعرفون جيدًا حجم ما قدمته المملكة، وأن مواقفها لم تكن يومًا مجرد كلمات، بل دعمًا ومساعدات ومبادرات تحمّلت من أجلها أعباء ومسؤوليات. ما من شيء يكشف هشاشة المبادئ مثل أن تتبدل بتبدل المصالح. فمن كان يرفع صوت الأخوة بالأمس، يختار اليوم موقفًا ينقضها، وهذا عليه إدراك أن الذاكرة الوطنية لا تُمحى بالمجاملات، وأن الشعوب تحفظ المواقف كما تحفظ الأسماء، والتاريخ لا يزن الكلمات ببلاغتها، بل بصدق أصحابها ساعة الامتحان.

وقفت المملكة إلى جانب اليمن، قدّمت المساعدات الإنسانية والتنموية، ساندت مؤسسات الدولة، وسعت إلى إنهاء الصراع واستعادة الاستقرار. ومع ذلك، تواجه اليوم تهديدات واعتداءات من جماعة الحوثي، التي تواصل التصعيد واستهداف الأراضي السعودية بمقدساتها ومنشآتها ومواطنيها. أي مفارقة هذه التي تجعل بلدًا يمدّ يده لإغاثة إنسان، يجد نفسه مضطرًا لحماية أرضه من اعتداءات لا تميّز بين منشأة ومواطن، لا تراعي حرمة الجوار ولا حقوق المدنيين؟

أي منطق يبرر تحول النعمة التي أرادت بها المملكة خيرًا لجيرانها، إلى فرصة يستغلها أعداؤها، أن يُقابل حرصها على الاستقرار بمحاولات زعزعته؟ المملكة لا تحتاج شهادة أحد على مكانتها، ولا تمن على من ساعدتهم؛ فالدولة الواثقة لا تستجدي الوفاء، والأوطان الراسخة لا تستمد تقديرا من تصفيق الآخرين. لكنها، ككل دولة تحترم سيادتها، تملك الحق في أن تتوقع مواقف واضحة من شركائها، ترفض ازدواجية المعايير، وأن تراجع علاقاتها في ضوء الأفعال لا الوعود.

الذين ظنوا أن انشغال المملكة بالتنمية والبناء، وحرصها على السلام، يمكن أن يُفهم ضعفًا، أخطؤوا قراءة طبيعة هذه الدولة. فالسعي إلى السلام لا يعني التفريط في السيادة، ومدّ اليد للحوار لا يعني العجز عن الدفاع، والحرص على استقرار المنطقة لا يعني السماح لأحد بأن يجعل أمن السعوديين ثمنًا لمشاريعه أو حساباته.

أكدت المملكة حقها في الدفاع عن أرضها ومواطنيها، كما شددت على أهمية التعاون الإقليمي لمواجهة التهديدات، وهذا هو المنطق الذي ينبغي أن يحكم المواقف: احترام السيادة، ورفض الاعتداء، والوقوف مع أمن المدنيين، بعيدًا عن المزايدات والمصالح المتقلبة.

قد يخذل الحليف، يتنكر المستفيد، وقد تسقط أقنعة كثيرة عندما تدق ساعة الحقيقة؛ لكن الأوطان التي بنت مكانتها بالعمل والعزيمة لا تتوقف عند أبواب الخذلان طويلًا. ستواصل السعودية بناء مستقبلها، وحماية مقدراتها، وصون أمنها، مستندة إلى قوتها وتماسك وتلاحم مجتمعها مع قيادته، وكفاءة أبنائها.

ستظل مواقف الآخرين جزءًا من سجل العلاقات الذي تُقرأ صفحاته بعناية، لا بعاطفة عابرة؛ فمن اختار الوفاء عُرف بموقفه، ومن اختار التنكر كشف عن حقيقة موقفه، وليس في مراجعة العلاقات جحود، كما ليس في إعادة حساب المصالح انتقام.

الحكمة أن تعرف الدولة من يقف معها حين تشتد الأخطار، ومن لا يتذكرها إلا حين يحتاج إليها، ومن يخلط بين كرمها وحق مكتسب له.

أكثر ما ينبغي أن يتعلمه العالم من هذه اللحظة، هو أن الاستقرار ليس مصلحة سعودية فحسب، بل ركيزة مهمة لاستقرار المنطقة وأمن الطاقة والتجارة الدولية. ومن يتوهم أن تهديدها أمر محدود العواقب، يتجاهل تشابك المصالح التي تتجاوز حدودها.

السعودية، التي اعتادت أن تعطي دون أن تمنّ، قادرة على أن تحمي دون أن تتردد، وأن تمضي إلى مستقبلها دون أن تنتظر من الجاحدين اعتذارًا أو من المتقلبين شهادة.