وكأن أول ما شهدناه من أسباب الخصوبة في الخرج مجرى عين ماء يقع على مسافة ميل منها، وهو مجرى مستور بالبناء وموطأ في ناحية من نواحيه لاجتياز السيارات، إذ هو يعترض طريقها، وقد قال لنا حضرة صاحب الجلالة الملك فيما بعد: إن جلالة والده الإمام عبدالرحمن، رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته هو الذي أصلح مجرى ذلك العين وأقامه للانتفاع بمياهها في الري والسقيا هناك، وكنا كلما نقترب من المدينة الزراعية رأينا نشاط مظاهر الخصوبة تدنو إلينا أو ندنو منها، حتى أصبحنا وجهاً لوجه أمام حدائق غناء نثرت فيها شجيرات النخيل ومن بينها المزروعات الأخرى من شجيرات الفاكهة، وبين ذلك كله قنوات عريضة تجري فيها المياه، كأنها فروع من نهر، كما هو الشأن في توزيع مياه الري والسقيا في بلاد الأنهر الزراعية، وبعد دقائق معدودة رأينا أنفسنا أمام قصور شاهقة، ومبان عديدة متفرقة فعلمنا أننا ألقينا عصا التسيار، وأن هذه هي ضالتنا من الرحلة، ولم يطل بنا التفكير حتى وقف الموكب أمام القصر الملكي الذي أعد لنزول جلالته، حيث شرف إلى الطابق العلوي ومن في معيته وقصد إلى مجلسه الحفيل، وهو عبارة عن غرفة كبيرة المساحة لا يقل طولها عن عشرين مترا في عرض ثمانية أمتار.
وتفرق من في معية جلالته على غرف القصر وأبهائه الفسيحة، وهم يبلغون المئات من الأشخاص، وهناك في يمين القصر شرفة مكشوفة تواجه الهواء، يتألف منها مجلس يزيد طوله على العشرة أمتار ولا يقل عرضه عن الأربعة، وهذا المجلس بتلك الشرفة يفصل بين غرفة الاستقبال الكبرى في القصر وغرفة الطعام وكلاهما في مساحة واحدة، وكانت تلك الشرفة بمثابة مجلس استراحة لتناول القهوة بالنظر لجودة موضعها وتعرضها لطلاقة الجو ورقة الهواء الشمالي الذي يهب من ناحيتها.