جاءت الأيام القليلة الماضية بأخبار سارة عن قطاع النفط والغاز والبتروكيماويات بشكل عام والقطاع الوطني بشكل خاص، حيث حققت شركة «أرامكو» صافي دخل أكثر من 114 مليار ريال في الربع الثالث بارتفاع %158 عن الفترة نفسها من العام الماضي، في حين حققت شركة «سابك» إحدى أهم شركات البتروكيماويات العالمية إيرادات بنحو 44 مليار ريال بمعدل نمو %50 على أساس سنوي.

كل هذا يعكس حقيقة أننا نجحنا في تجاوز أزمة جائحة كورونا بتفوق، وتزامنت هذه النتائج المبشرة مع فترة انعقاد مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار الذي وقعت فيه «أرامكو» خمس مذكرات لتصنيع الهيدروجين الأخضر وخدمات الطاقة الخضراء وإنتاج المواد اللامعدنية دعماً لتوجهات الشركة في خفض الانبعاثات الكربونية والوصول إلى الحياد الصفري للكربون بحلول عام 2050م. حيث يمثل هذا الهدف معلماً من معالم خطة السعودية ودول الخليج العربي للوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2060م.

توالت الأنشطة والجهود الإقليمية في الرياض والتي يقودها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مبادرتي الشرق الأوسط الأخضر ومبادرة السعودية الخضراء ذات الأهداف النبيلة والعظيمة في شكلها من أجل تفعيل حقيقة الاقتصاد الدائري للكربون الذي كان هو قصب السبق السعودي في قمة العشرين العام الماضي، كما عقد العالم هذا الأسبوع قمة العمل المناخي في جلاسكو من أجل تحقيق غايات أربع أساسية، وهي الحصول على تعهدات الدول من أجل الوصول إلى الحياد الكربوني ويشمل ذلك 190 دولة حتى 2030م، وأيضاً تعزيز العمل التشاركي لتعزيز أنظمة الحماية البيئية الطبيعية مثل التشجير والحفاظ على الغابات من التدمير، كما يأتي توفير السيولة المالية بنحو 100 مليار دورلا سنوياً لدعم هذه الجهود الأممية أحد أهم الأهداف خصوصاً فيما يتعلق بإعانة الدول الفقيرة للوفاء بتعهداتها، وأخيراً الاتفاق على قواعد اتفاق باريس للعمل المناخي مما سيجعل اتفاق باريس هو الدستور المناخي للعالم.

رغم تهويل الإعلام الغربي الكبير لقضية المناخ- كما ذكرتُ في مقالات ولقاءات سابقة- فإن الأسوأ في قضية التغير المناخي قد مضى، والعالم يحتاج إلى أكثر من 300 عام من أجل أن ترتفع درجة حرارة الأرض درجتين مئويتين ما قد يتسبب في إذابة القطبين المتجمدين، إلا أننا لا نزال نملك فرصة ممتازة حتى عام 2050م للاستخدام الأمثل لبدائل الطاقة وتعظيم أثر خليط الطاقة على الاقتصاد الوطني والوصول إلى مستهدف رؤية السعودية ضمن أفضل 13 اقتصادا عالميا بل وحتى ضمن أفضل 10 اقتصادات عالمية. لكن في الحقيقة نحن نواجه تحديا كبيريا، وهو أن النمو السكاني سيزداد في السعودية حتى بعد عام 2050م ليبلغ نحو 70 مليون نسمة، وهو ما يعني ضعف السكان حالياً، كما أن حقل الجافورة سيكون قد نضب بالفعل في ذلك العام، ما يعني أننا إما أن نعود لحرق النفط على أسوأ احتمال أو أن يرحمنا الله باكتشاف حقل جديد آخر يمنحنا غازاً نحرقه لإنتاج الطاقة. ومع ذلك سيكون حجم الطاقة الذي تحتاجه السعودية في ذلك الوقت ضعف ما تحتاج الآن إلى أكثر من 180 جيجا واط سنوياً وهي الآن عند ما يقرب من 65 جيجا واط.

إذاً نحن في مواجهة أزمة وطنية جديدة ستحدق بنا في 2050م في مجال الطاقة ما لم نبتعد عن النفط والغاز في إنتاج الطاقة. حتى لو كنا أغنياء بالنفط والغاز. والسبب هو عدم استدامتهما على المدى البعيد للأجيال اللاحقة.

لذلك على السعوديين بل والخليجيين قاطبة أن يستعدوا لمستقبل ريادة الطاقة المتجددة عالمياً. ويجب أن تكون السعودية ودول الخليج حاضنة لكل ابتكارات وتطورات ومستقبل الطاقة المتجدد. حتى لو رأينا جلب البدائل من الفضاء من خلال الابتكار والعمل الفني والمهاري وتعظيم أثر المواطن والمقيم السعودي في مجالات حفظ الطاقة واستدامتها كالبناء والإنشاء الذكي، ووسائل النقل صديقة البيئة، والهيدروجين الأخضر المنتج من التحليل الكهربائي لماء البحر والتوسع في مجال تقنية المياه والخدمات اللوجيستية الرقمية والتحول الرقمي في قطاعات النفط والغاز والصناعة بشكل عام ما يوفر استخدام الوقود والطاقة. وأيضاً إيجاد بدائل الوقود من خلال بطاريات الوقود الجاف وغيرها.

نحن لدينا وفرة في النفط والغاز؛ لذلك يجب أن نستثمر أموالهما في بناء قواعد ومعامل ومصانع إنتاج الطاقة البديلة وتأهيل العقول الوطنية وتأسيس الجامعات والمعاهد المتخصصة في الطاقة المتجددة والابتكار النظيف للوقود وتحويل النفط الخام إلى كيماويات من خطوة واحدة والغاز أيضاً إلى منتجات أكثر فائدة على الوطن على المدى البعيد. البعيد جداً عن الاستخدامات السلعية والتقليدية. فالتحدي قادم لا محالة ونحن نقف في وضع ممتاز، فهل نحن جاهزون؟