اليوم، لم يعد الحديث عن تمكين المرأة في المملكة العربية السعودية حديثًا عن تطلعاتٍ مستقبليّة أو رؤى مؤجلة، لقد أصبح واقعًا ملموسًا تُجسّده الأرقام والإنجازات والقصص الملهمة، التي تتجدّد في مختلف الميادين. فقد انتقلت المرأة السعودية من مرحلة إثبات القدرة والاستحقاق إلى مرحلة صناعة الأثر والمشاركة الفاعلة في مسيرة النهضة الشاملة، مدعومةً بإرادةٍ قيادية آمنت بكفاءتها، ومنظومةٍ تشريعية وتنظيمية فتحت أمامها آفاقًا واسعة للإسهام والعطاء في البناء. لتؤكد تميزها في مختلف القطاعات؛ بوصفها شريكًا فاعلًا في تحقيق مستهدفات التنمية الوطنية، وصانعةً للأثر والنجاح، ونموذجًا يُحتذى في الطموح والإنجاز..
ويُخطئ من يظن أن التمكين يقتصر على منح الفرص أو توسيع دائرة المشاركة فحسب؛ إن التمكين الحقيقي يبدأ من الإيمان بالكفاءة، وتعزيز الثقة بالقدرات، وتهيئة البيئة المحفزة، وإتاحة المساحات التي تُمكّن من الإنجاز والإبداع، وإيجاد الممكنات لذلك، مقرونةً بالاعتراف بالأثر الذي تصنعه المرأة في مجتمعها ومؤسساتها. ومن هذا المنطلق، لم يكن مستغربًا أن نشهد حضورًا نسائيًا متناميًا في المواقع القيادية، وصناعة القرار، والقطاعات الاقتصادية، ومجالات البحث العلمي، والعمل التنموي والتطوعي، وريادة الأعمال، وغيرها من الميادين التي أصبحت المرأة فيها شريكًا أصيلًا ورافدًا فاعلًا في بناء المستقبل وتحقيق مستهدفات الوطن العزيز.
وقد سعدتُ مؤخرًا بحضور أمسيةٍ أدبيةٍ لمناقشة كتاب «عند الرهان تُعرف السوابق» للأستاذة الدكتورة عزيزة بنت عبدالعزيز المانع، وهو كتاب يستعرض سيرة الأميرة نورة بنت محمد آل سعود؛ بوصفها رائدة بارزة ومعطاءة في مجال الخدمة الاجتماعية والعمل التطوعي والتنموي والخيري، سخّرت جهودها لخدمة المجتمع على مدى يزيد على ثلاثة عقود في ثلاث مناطق في المملكة: (عسير، القصيم، الرياض)، ويرصد ما قدمته من أعمال وطنية وإنسانية متنوعة، ويوثق مسيرة حافلة بالعطاء الوطني والعمل المؤسسي، قادتها في مرحلةٍ سبقت فيها عصرها، حين لم تكن جهود المرأة ومبادراتها الاجتماعية والتنموية وإسهاماتها المجتمعية تحظى بالاعتراف والدعم اللذين تنالهما اليوم.
واستوقفتني خلال تلك الأمسية الممتعة حقيقة جوهرية مفادها أن التمكين لا يُختزل في قرارٍ أو فرصةٍ عابرة؛ بل هو مسيرةٌ ممتدةٌ تُبنى بالعلم والخبرة والإرادة والشجاعة في تجاوز التحديات، والصبر على عقبات الطريق.
فالكتاب لا يروي سيرةً شخصيةً فحسب، إنه يقدّم نموذجًا ملهمًا لامرأةٍ سبقت عصرها في المبادرة والعطاء والعمل المؤسسي، مؤكدةً أن أثر الإنسان لا يُقاس بما يحققه لنفسه فقط، وإنما بما يتركه من بصمةٍ مستدامة في حياة الآخرين ومجتمعه. ومن خلال هذه السيرة يتجلى أن الريادة الحقيقية للمرأة تبدأ بالإيمان بالفكرة، وتتعمّق بالمثابرة والعمل، وتثمر أثرًا يتجاوز حدود الزمن، ويمتد ليصنع إرثًا تنمويًّا وإنسانيًّا تتناقله الأجيال.
ومن أجمل ما تكشفه هذه النماذج الوطنية المشرفة أن المرأة السعودية لم تكن يومًا غائبة عن مسيرة البناء والتنمية الوطنية في بلادنا المباركة؛ صدقًا كانت حاضرة بأدوارٍ متعددة وإسهاماتٍ مؤثرة، وإن اختلفت أشكال المشاركة ومساحاتها من مرحلةٍ إلى أخرى. واليوم نراها في ظل رؤية المملكة العربية السعودية 2030، أصبحت هذه الأدوار أكثر وضوحًا واتساعًا، وتوافرت الفرص الطموحة لها بصورة غير مسبوقة؛ بما يعزز مبدأ الكفاءة والاستحقاق ويفتح آفاقًا أرحب للمشاركة في التنمية الوطنية. فقد وضعت الرؤية الطموحة المرأة في صميم التحول الوطني، ولم تكتفِ بتمكينها من المشاركة، وإنما جعلتها شريكًا فاعلًا في القيادة وصناعة القرار، ورسم ملامح المستقبل وتحقيق مستهدفاته.
ومع ذلك، فإن التمكين لا يُقاس بعدد الفرص المتاحة فحسب، وإنما بقدرتنا على استدامة أثرها وتعظيم نتائجها. فالمؤسسات الناجحة لا تكتفي بإيصال المرأة إلى مواقع المسؤولية، بل تعمل على تأهيلها ودعمها وبناء مسارات نمو مهني تضمن استمرارية عطائها وتطورها. فالتمكين الحقيقي هو الذي يحوّل الطاقات إلى إنجازات، والقدرات إلى قيمة مضافة، والطموحات إلى أثرٍ ملموس ومستدام.
لقد أثبتت التجربة السعودية أن الاستثمار في الإنسان - رجلا كان أو امرأة- هو الاستثمار الأكثر أثرًا واستدامة. وكل قصة نجاح نسائية نشهدها اليوم ليست إنجازًا فرديًا فحسب، إنما شاهد على مرحلة وطنية آمنت أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا بمشاركة جميع أبناء الوطن وبناته، وأن ازدهار المجتمعات يُقاس بقدرتها على تمكين طاقاتها والاستفادة من إمكاناتها في صناعة المستقبل.
في الوقت الذي نحتفي فيه بما تحقّق من إنجازات؛ يبقى الرهان الأكبر على استدامة الكفاءات الوطنية، وتوثيق التجارب الملهمة، وإبراز النماذج الوطنية، التي مهدّت الطريق للأجيال اللاحقة. فالأوطان لا تنهض بالفرص وحدها، وإنما بالقدوات، التي تثبت أن العطاء حين يقترن بالإرادة والرؤية يصنع أثرًا راسخًا.
ولعل هذا ما يجعل عنوان الكتاب «عند الرهان تُعرف السوابق» معبرًا بعمق عن هذه المعاني؛ فحين تدقُّ ساعة الرهان، وتأتي لحظات الاختبار، وتَسنح الفرصة لإثبات الجدارة؛ تتقدّم السجلات الحافلة بالعمل والإنجاز لتروي قصص أصحابها، وتبقى الأعمال الصادقة والآثار الممتدة الشاهد الأصدق على قيمة الإنسان، والمقياس الحقيقي لأثره الإيجابي والنوعي في وطنه ومجتمعه. وهنا نستحضر بيت المتنبي الخالد:
وإذا كانت النفوسُ كبارًا * تعبت في مرادها الأجسامُ.
فالعزائم الكبيرة والهمم العالية لا تكتفي بالأمنيات، إنما تُترجم الطموح إلى عمل، والرؤية إلى إنجاز؛ لتصنع أثرًا ممتدًا يبقى حاضرًا في حياة الإنسان ونهضة الأوطان.