وفي المنظور الإسلامي يحتل الوقت أهمية كبيرة تتجاوز رصد الأيام وعدّها وحسابها، ليكون آية من آيات الله تستدعي التدبر والتأمل. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: 12]. وفي هذا التفصيل إرشاد للمسلمين إلى العمل على إنشاء تقويمهم الخاص والحفاظ عليه، ليحافظوا على ذاتهم الإسلامية من الذوبان في ذوات الحضارات والأمم الأخرى.
وترجع بداية تأسيس التقويم الهجري والعمل به إلى عهد ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين وجد الحاجة ملحّة لذلك بعد اتساع رقعة الدولة وانتشارها، لتشمل أقاليم وأراضٍ شاسعة. واختلط المسلمون بغيرهم من اتباع الديانات والثقافات الأخرى، وحتى يكون لأمة الإسلام تميزها الخاص واستقلالها كأمة رائدة وحاكمة، ونظرًا لأهمية الهجرة النبوية، وما مثّلته من حدّ فاصل بين عصر الدعوة الفردية والاضطهاد في مكة، وعصر الدولة والتشريع في المدينة، والذي تحولت من خلاله هذه الدعوة إلى دولة ذات سيادة، ثم أمة جمعت في حكمها بين شرق العالم وغربه، كان اختيار بداية التقويم من هجرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لتظل هذه الذكرى خالدة في وجدان المسلمين، ولتبرز أهمية التغيير في تبدل الأحوال، وأن الانتقال من مكان إلى آخر قد يصنع فرقًا، كما أن تغيير الحال وطريقة التفكير، من خلال إيجاد البدائل وتنويعها وتطويرها، قد يصنع فرقًا ويبدل حالًا إلى حال، وحتى تظل هذه الذكرى العزيزة على قلوب المسلمين باقية وخالدة نتذكرها بداية كل عام ونستحضر معانيها ودروسها وما أحدثته من أثر كبير في تاريخ الإسلام والمسلمين.
اختيار التقويم القائم على دوران القمر تاريخًا إسلاميًا يمثل حصانة من التلاعب الذي يمكن أن يحدث في بعض التقاويم الأخرى؛ فهذا التقويم قائم على حساب دقيق سطره الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة التوبة، الآية: 36]. فالشهور والأيام التي أعلن ربنا سبحانه وتعالى دقة حسابها هي الأكثر أمانًا وضمانًا، كما أن نص هذه الآية يذكر أن هذه الدقة وهذا الحساب ممتدان إلى بداية الخلق وبداية هذه الحياة، ورغم المحاولات المتكررة لطمس هذ التقويم من خلال التشكيك فيه قد باءت بالفشل وأثبت أنه الأكثر قدرة على التكيف مع تقلبات الشهور والسنين وتقويم أم القرى الذي مر عليه أكثر من مائة عام منذ إنشائه لأكبر دليل على ذلك في دقة حسابه وضبطه.
تغييب التاريخ الهجري في الدول والمدن الإسلامية يُعدّ أمية زمنية وتاريخية بهويتنا وثقافتنا الإسلامية، كما يمثل انفصامًا في المعرفة الثقافية؛ فكيف نربط كثيرًا من أعمالنا ومواعيدنا بالتقويم الميلادي، وبين أيدينا تقويم أكثر ارتباطًا بذاتنا، وبه ترتبط عباداتنا وصلتنا بربنا، من الصلاة والصيام في رمضان، إلى حج البيت وغيره.
ونحن هنا نوجه دعوة صادقة إلى إحياء التقويم الهجري، تأسيًا بالدول التي جعلته تقويمها الأساسي. وهذه الدعوة لا تعبر عن انغلاق أو هروب من العصر، بل هي تأكيد على استقلالنا الحضاري وسيادتنا الثقافية. كما سيكون لهذه الخطوة، إن تمت، أثر في حفظ خصوصيتنا كأمة، وثبات هويتنا الإسلامية في زمن اختلطت فيه الهويات، وذابت فيه الخصوصيات لصالح طرف واحد يريد أن يسلبنا خصوصيتنا، ويمسخ هويتنا، لنصبح تابعين بعد أن كانت أمتنا صاحبة السيادة والقيادة.
الأمة التي تفرط في ثوابتها ورموز تفوقها، ومنها تقويمها، تنذر باندثار تاريخها وضياع صلتها بذاكرتها وذكراها. ولهذا فإن التقويم والتاريخ الهجري يُعدّان صمام أمان لحفظ أمجادنا وبقاء ذاكرتنا، والتمسك بهما والحفاظ عليهما والعمل بهما واحد من أهم عوامل وأسباب الحفاظ على هويتنا وثقافتنا، بوصفنا ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران، الآية: 110].