أما المشترون فليسوا حوله بل خلف شاشات مضيئة يصفقون بإعجاباتهم ويقذفون الهدايا الإلكترونية كما كان الناس قديماً يقذفون الدراهم إلى أصحاب الألعاب البهلوانية في الأسواق الشعبية.
اقتربت من أحد الباعة وسألته بكم تبيع هذه البضاعة؟ ابتسم وقال ليس لها سعر كلما نقص الحياء ارتفع الدخل.
حينها أدركت أنني لم أكن في سوق حقيقي، بل كنت أتجول في بعض البثوث المباشرة التي حولت الإنسان من صاحب رسالة إلى سلعة، ومن صانع أثر إلى صانع إثارة.
في المقال السابق تحدثنا عن القسم الأول من مخاطر البثوث المباشرة، وهو الإساءة إلى الآخرين والتشهير ونشر الإشاعات، وبث الكراهية بين الشعوب. أما اليوم فنقف أمام القسم الثاني، وهو الأخطر أثراً والأعمق جرحاً، لأنه لا يطعن فرداً بعينه، بل يطعن منظومة القيم كلها، ويتمثل في التعري واستعراض الأجساد طلباً للهدايا والدعم المالي.
قد يخطئ الإنسان في كلمة فيعتذر وقد يظلم غيره فيرجع عن ظلمه، لكن حين يصبح الجسد مشروعاً استثمارياً، والحياء عقبة في طريق الشهرة، فإن القضية لم تعد تصرفاً فردياً، بل تحولت إلى ثقافة تسوق وسوق تفتح أبوابه على مدار الساعة.
ومن أغرب مفارقات عصرنا أن بعض الناس لم يعد يسأل ماذا أقدم للناس، بل يسأل ماذا أخلع ليزداد عدد المتابعين؟
وكأن معايير النجاح انقلبت رأساً على عقب، فلم يعد العلم يجذب، ولا الإبداع يلفت ولا الفكرة العميقة تستحق الانتظار، بينما تستطيع لقطة واحدة تخدش الحياء أن تحقق من الانتشار في دقائق ما لا تحققه سنوات من العمل الجاد.
لقد اختزل النجاح عند البعض في عدد المشاهدات، واختزلت الكرامة في قيمة هدية إلكترونية تومض على الشاشة ثم تختفي، بينما يبقى أثرها في النفوس طويلاً.
ومن المؤسف أن بعضهم يرقص فرحاً بصورة افتراضية أو رمز رقمي، كأن الحياة كلها أصبحت رهينة هدية لا وجود لها إلا داخل التطبيق، حتى ليخيل للناظر أن العملات الإلكترونية أصبحت أغلى من المبادئ، وأن الإعجاب العابر أهم من احترام الذات.
والأشد خطراً أن هذه المشاهد لا يشاهدها الكبار وحدهم، بل تدخل بيوت الناس دون استئذان، وتجلس إلى جوار الأطفال والمراهقين ،فتتشكل في أذهانهم قناعة خفية بأن الشهرة لا تحتاج إلى موهبة، وأن المال لا يحتاج إلى جهد، وأن الطريق الأقصر هو الطريق الأكثر إثارة.
وهكذا يتآكل الحياء بصمت فلا أحد يوقظ المجتمع صباحاً ليخبره أن الأخلاق قد انهارت، بل تنهار بالتقسيط .
مشهد اليوم يصبح عادة الغد، وعادة الغد تصبح ثقافة بعد غد، ثم نستيقظ بعد سنوات لنسأل باستغراب كيف وصلنا إلى هنا؟
ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل أن المنصة نفسها لا تفرض على أحد أن يتخلى عن قيمه، فهي أداة يمكن أن تكون منبراً للعلم ونافذة للإبداع ومساحة للخير، كما يمكن أن تتحول إلى معرض للابتذال. المشكلة ليست في التقنية، بل في الإنسان حين يقرر أن يجعل من نفسه سلعة، وأن يقيس قيمته بما يتلقاه من هدايا رقمية، لا بما يتركه من أثر نافع.
مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالصراخ ولا بالتذمر، فالعالم الرقمي لا يعترف بالأمنيات، وإنما يعترف بالبدائل. نحن بحاجة إلى محتوى راقٍ ينافس المحتوى الهابط، وإلى إعلام يرفع الذائقة ومنابر المساجد للتوعية، وإلى أسرة تحاور أبناءها قبل أن تحاسبهم، وإلى مدرسة تغرس القيم كما تغرس المعرفة، وإلى قدوات تثبت أن الاحترام لا يزال الطريق الأقصر إلى القلوب.
فالحياء لم يكن يوماً عيبًا حتى نتخلص منه، ولم يكن الستر تخلفاً، حتى نعتذر عنه، ولم تكن الكرامة عبئًا، حتى نبيعها مقابل هدية إلكترونية تختفي بضغطة زر.
ختاما يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا: إذا كان ثمن الشهرة أن نخسر احترامنا لأنفسنا ،فهل نحن الذين ربحنا أم إن المنصات هي التي ربحت؟