بلد يجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والطبيعة الساحرة، ويشتهر عالمياً بصناعة الرسوم المتحركة وثقافة الأنمي‏. ربما لم يكن اختياري لفصل الصيف موفقاً، فالأجواء كانت حارة ورطبة، مما جعل المشي الطويل- وهو جزء من نمط الحياة في اليابان- أكثر إرهاقاً، فهناك شوارع ومناطق مخصصة للمشاة، ورغم أنني لم أزر الأرياف، فإن الأشجار والمساحات الخضراء كانت جزءًا من مشهد طوكيو، في تناغم جميل مع المباني الشاهقة التي تعكس الكثافة السكانية.

من أكثر ما أعجبني في اليابان القيم التي تنعكس على سلوك الإنسان، فمن أبرزها قيمة النظام الذي ينعكس في تفاصيل الحياة اليومية، بدءاً من دقة المواصلات، مروراً باحترام الطوابير، ووصولاً إلى نظافة الشوارع رغم قلة سلال المهملات، وهو ما يعكس إحساساً عالياً بالمسؤولية الفردية.

ومن القيم التي لفتت انتباهي أيضًا قيمة الاحترام، فالشعب الياباني الذي تعاملت معه كان لطيفًا ومؤدبًا، وقد لمست حرصهم الدائم على الشكر والانحناء أثناء التحية، مع استعداد واضح للمساعدة والتعاون.


تساءلت عن أثر الثقافة في الصحة النفسية بعد أن لفت انتباهي الأدب الشديد الذي يتعامل به اليابانيون، ووجدت بعد البحث وفقاً لبعض الدراسات أن معدلات كثير من الاضطرابات النفسية ليست بعيدة عن نظيراتها في الدول الأخرى، إلا أن الثقافة تؤثر في طريقة ظهورها، فمثلًا قد يظهر الرهاب الاجتماعي لديهم في صورة خوف من إزعاج الآخرين أكثر من الخوف من التعرض للنقد، كما قد تسهم ثقافة الالتزام والعمل الجاد في زيادة مخاطر الإرهاق وإدمان العمل لدى بعض الأفراد.

لاحظت اختلافاً بين من تعاملت معهم في طوكيو، حيث كانوا أكثر تحفظًا، بينما لاحظت من خلال تعاملي أن أهل أوساكا يميلون للتواصل الاجتماعي بصورة أكبر، ويعزى ذلك- بحسب بعض التفسيرات- إلى أن أوساكا مدينة ذات تاريخ تجاري، مما أسهم في تعزيز ثقافة التواصل الاجتماعي لدى سكانها، بينما تستقطب طوكيو سكانًا من مختلف مناطق اليابان للعمل، وهو ما يجعل التعامل فيها أكثر رسمية.

تُعد اليابان من أبرز الدول الرائدة في صناعة الرسوم المتحركة، كما تنتشر فيها صناعة المجسمات المستوحاة من شخصيات الأنمي والألعاب، فليس غريباً هناك أن تجد مبنى مكونا من ثمانية طوابق مخصصة لبيع هذه المجسمات بل أحياء كاملة تشتهر بهذا النوع من المتاجر، ولم يقتصر الاهتمام بها على الصغار، بل رأيت حتى بعض كبار السن يزينون ملابسهم بدمى صغيرة محشوة بالإسفنج تُستخدم كإكسسوارات.

شعرت أن المجتمع الياباني لا ينظر إلى التقدم في العمر باعتباره نهاية للعطاء، بل مرحلة يمكن أن يظل فيها الإنسان منتجاً ومستقلاً قدر الإمكان، وهنا تتجلى قيمة الإنتاجية، وقد تجسدت في مشاهد عديدة، فقد لاحظت أن كثيرًا من كبار السن يواصلون العمل بعد سن التقاعد؛ فرأيت منهم رجال أمن، وسائقي سيارات أجرة، وعاملين في المطاعم، وأغرب ما رأيت امرأة منحنية الظهر تعمل في تنظيف غرف الفنادق، كذلك رأيت كبار السن المنحنية ظهورهم يمشون بمفردهم باستخدام جهاز بعجلات، وهو ما يعكس ثقافة المشي والاعتماد على النفس التي تميز الحياة اليومية في اليابان، حتى وجدت من لديه إصابات في القدم يمشي مسافات طويلة باستخدام العكاز.

الطعام الحلال في اليابان، فيحتاج إلى شيء من البحث، فهو ليس متوافرًا بالقدر نفسه الموجود في كثير من الدول الإسلامية، إذ يعتمد المطبخ الياباني كثيرًا على لحوم الخنزير، ومن النصائح التي استفدت منها إخبار العاملين بوجود حساسية من لحم الخنزير، لأن ذلك يجعلهم أكثر حرصًا على تجنب التلوث المتبادل أثناء إعداد الطعام عند اختيار أطعمة لا تحتوي في أصلها على لحم الخنزير كالبيض أو السمك أو الخضراوات.

أعجبني تطبيق إحدى المدن الترفيهية، إذ يتيح البحث عن المطاعم بحسب أنواع الحساسية الغذائية، مع توضيح الوجبات المناسبة لكل حالة، وكان هذا شيئاً رائعاً جداً أتمنى أن يطبق لدينا.

وفي ما يتعلق بالمدن الترفيهية فهناك خيارات جميلة جدا في كل من مدينتي طوكيو وأوساكا، أما التسوق في اليابان بالنسبة للعلامات التجارية العالمية المشهورة فهو متاح بكثرة وخياراته واسعة، أما بالنسبة للعلامات التجارية المحلية فأحببت شخصياً عدة علامات تجارية متخصصة في الأحذية الرياضية لراحتها، وأسعدني إذ وجدت أن كثيرًا من هذه العلامات متوفر أيضًا في المملكة العربية السعودية، وبالنسبة للعلامات التجارية للملابس المحلية لم أهتم بها لأنها مقاس واحد للجميع غالباً وموديلاتها المتميزة بالكشكشة والطبقات تناسب نوعية أجسام أهل البلد.

نظام استرداد الضريبة، فمن الجميل أنها تُخصم مباشرة في المتاجر عند إبراز جواز السفر الأصلي، وتُغلف المشتريات المعفاة من الضريبة ويُفترض عدم استخدامها داخل اليابان، وقد يطلب موظفو الجمارك التحقق منها عند المغادرة، لذلك من الأفضل وضعها في حقيبة مستقلة.

الديانة في اليابان يعتنق كثير منهم الشنتو، وهي ديانة تقوم على تقديس أرواح تُنسب إلى مظاهر الطبيعة وأماكنها، وكذلك الديانة البوذية. ولديهم أقلية في بعض الديانات مثل المسيحية والإسلام والهندوسية، ورغم اختلاف الخلفيات الدينية، بدا لي أن كثيرًا من القيم اليومية التي يحرص عليها اليابانيون تنبع من ثقافتهم الاجتماعية.

خرجت من اليابان وأنا أحمل إعجاباً كبيراً بما وصلت إليه من نظام واحترام وإتقان، لكنني أدركت أيضاً أن لكل مجتمع تحدياته الخاصة مهما بدا مثالياً من الخارج. كانت رحلة ممتعة أضافت لي معرفة بثقافة مختلفة، وجعلتني أقدر كيف يمكن للعادات والقيم أن تشكل أسلوب حياة مجتمع بأكمله.