للعرب في جاهليتهم ألفاظ تختصر فلسفة كاملة في القوة والأمن؛ من بينها «الذمار والمنعة».

فالذمار هو ما يدخل في عهد الرجل وحمايته، والمنعة هي القوة التي تعطي هذا العهد قيمة، وتحول دون أن يكون مجرد كلام.

لذلك.. لم يكن العربي يرى في حماية الجار والمستجير والحليف فضيلة أخلاقية فحسب؛ بل يراها عنوانًا للسؤدد، ودليلًا على أن العهد له ظهر يحميه.


اليوم تغيرت القبيلة إلى دولة، والحلف إلى اتفاق، والجوار إلى شراكة استراتيجية، لكن جوهر الفكرة لم يتغير: ما لا تحميه قوة، لا يضمنه عهد.

من هنا يمكن قراءة «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان؛ فهي لا تضيف اتفاقًا جديدًا إلى قائمة الاتفاقات الثنائية فحسب؛ إنما تنقل مفهوم الأمن من دائرة العلاقة المنفردة إلى دائرة المنعة المشتركة، إذ تقرر أن الاعتداء المسلح على أي دولة من الدول الثلاث يُعد اعتداء عليها جميعًا. ولعل أبلغ ما يمكن اختزاله في هذا المعنى: أمن حليفك من أمنك.

وهنا تكتسب مكة دلالتها الخاصة.

فالمكان الذي وُصف في القرآن بـ«البلد الأمين»، والذي تتجه إليه قبلة المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها؛ لا يحتاج إلى أن يكون عاصمة لتحالف كي يمنحه معنى، يكفي أن يكون مكة، حيث تتسع الجغرافيا من حدود الدولة إلى فضاء أرحب من الانتماء الإسلامي.

واللافت.. أن الدول الثلاث ما يجمعها ليس العرق ولا اللغة، إنما المصالح والأمن والروابط التاريخية والإسلامية.

وهنا يمكن أن تتسع الدائرة مستقبلًا، إن أرادت دول أخرى الاقتراب منها، لتتشكل نواة أمنية إسلامية لا تقوم على الخصومة مع أحد، ولا تحتاج إلى عدو كي تبرر وجودها؛ وإنما تقوم على قاعدة بسيطة: نحن أقوى حين يصبح أمننا مشتركًا، وأقدر على حماية السلام حين تكون لدينا منعة تحميه. وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تُفهم خطأ.

فالاستعداد للحرب لا يعني الرغبة فيها، بل قد يكون أقصر الطرق إلى منعها. القوة التي تظهر قدرتها على الردع لا تبحث بالضرورة عن معركة، إنها تقول للآخر: لا تختبر عهدنا؛ لأن وراء العهد منعة.

وفي عالم تتبدل فيه موازين القوة، وتتجه فيه العلاقات الدولية نحو تعدد الأقطاب؛ لم تعد الدول الرشيدة تنتظر الخطر حتى يصل إلى أبوابها؛ بل تبني مناعتها قبل أن يأتي. وهنا يصبح التحالف وسيلة لحماية السلام، لا إعلانًا للحرب. وقد يكون في ذلك ما يتجاوز الحسابات العسكرية نفسها. فالمجال الإسلامي ظل لعقود طويلة عرضة لاستقطابات سياسية ومذهبية جعلت الاختلاف يتحول أحيانًا إلى خصومة، والخصومة إلى صراع.

أما أن تلتقي دول ذات ثقل إسلامي على الأمن والمصلحة والردع، دون أن تجعل من اختلافاتها المذهبية عنوانًا للتحالف أو الخصومة؛ فذلك يفتح بابًا مختلفًا: باب التعاون الذي لا يحتاج إلى تفكيك الآخر كي يبني نفسه.

قوة هذا الاتفاق ليست في عدد أطرافه فقط، وإنما في ما يمكن أن يؤسس له إذا أحسن الأطراف البناء عليه.

السعودية بما تمثله من ثقل عربي وإسلامي، وتركيا بما لها من ثقل إقليمي، وباكستان بما تملكه من قدرات عسكرية واستراتيجية؛ تلتقي في مساحة جغرافية واسعة، تمتد من قلب الجزيرة العربية إلى الأناضول وجنوب آسيا. وهذه ليست جغرافيا هامشية؛ بل جغرافيا تلتقي فيها طرق التجارة والطاقة والأمن والمصالح الكبرى.

وهنا تعود بنا مكة إلى أصل الحكاية. الذمار يحتاج إلى منعة، والمنعة تحتاج إلى عهد، والعهد يزداد قوة حين يصبح أمن الحليف من أمنك.

فإذا كانت مكة هي «البلد الأمين» ؛ فإن الرسالة السياسية التي يمكن أن تُقرأ من اتفاق وقع فيها هي أن السلام لا يحميه الضعف، وإنما تحميه قوة عاقلة تعرف متى تُظهر قدرتها ومتى تستخدمها.

اتفاق مكة ليس اتفاقًا على الحرب، بل يمكن أن يكون، في جوهره؛ اتفاقًا على منع الحرب. الحرب تبدأ حين يعتقد المعتدي أن كلفة اعتدائه منخفضة، والسلام يستقر حين يعرف أن كلفة العبث به مرتفعة.

وهنا تلتقي الحكمة القديمة مع السياسة الحديثة: كان العربي يحمي ذِماره بالمنعة، والدولة الحديثة تحمي عهدها بالردع.

تغيّرت الأدوات، واتسعت الجغرافيا، وتبدلت المصطلحات؛ لكن القاعدة بقيت واحدة:

ما لا تحميه قوة؛ لا يضمنه عهد.

ومن مكة، حيث تتجه القلوب إلى قبلة واحدة، يمكن أن يولد معنى سياسي أكثر اتساعًا: أن تتعدد الدول، وتختلف القوميات، وتتباين المصالح، لكن حين يكون الأمن مشتركًا؛ يصبح السلام أكثر قدرة على البقاء.

فليس المطلوب أن نستعد للحرب لنخوضها؛ وإنما أن نمتلك من القوة ما يجعل الآخرين يختارون السلام.

تلك هي المنعة حين تتحول إلى سلام، وذلك هو الذمار حين يصبح أمن الحليف من أمنك.