لم تكن المقالات التسع السابقة، والتي تناول بعضها تشكل الهوية الوطنية السعودية، إلا تالية لأفكار هذا المقال، وهو الأساس الأول في هذه السلسلة، وصلبها ومنبعها، ومبعث فكرتها، وهذه السلسلة من المقالات -سابقها ولاحقها- يمكن أن يكون عنوانها الناظم: «قراءات أولية في بعض جوانب فكر الأمير محمد بن سلمان الحضارية والتنموية والسياسية»، ومن هنا يمكنني القول إن ما سبق من مقالات هو أول ما غير فينا الأمير محمد بن سلمان، وأهمه، حيث غير صورتنا عن أنفسنا: من نحن؟ وكيف نقرأ تاريخنا؟ وبأي معنى ننتمي إلى وطننا؟ وأي مستقبل وحاضر يليق بنا؟ إذ جدد الهوية الوطنية السعودية، دون اختراع هوية جديدة، ودون أن يحدث قطيعة معرفية أو شعورية بين المجتمع وبين دينه أو تاريخه أو لغته، وإنما قام بتحرير الهوية الوطنية من طبقات عارضة حجبت أبرز ملامحها، وردها إلى أصلها التاريخي والثقافي والسياسي الأوسع، وأعاد إليها عمقها الزمني، وتنوعها الاجتماعي، وثراءها المناطقي، وثقتها بذاتها؛ حتى غدت السعودية هي مركز تعريف السعودي لنفسه، لا مجرد الإطار الجغرافي الذي يقيم فيه.
غير أن تجديد الهوية الوطنية، على مركزيته في فكر ومشروع الأمير محمد بن سلمان، ليس إلا الباب الأول في هذا المشروع العظيم، والذي هو في جوهره: «إعادة بناء الدولة والمجتمع والإنسان والمستقبل السعودي في آن واحد»، وهذه سمة نادرة في مشروعات التحول الكبرى؛ إذ اعتادت خطط الإصلاح أن تعالج الاقتصاد بمعزل عن الثقافة، والإدارة بمعزل عن المجتمع، والحاضر دون أن تعيد النظر في سردية الماضي وصورة المستقبل، أما المشروع السعودي الجديد فيتحرك بوصفه رؤية كلية؛ لأن الدولة لا تتغير حقًا إذا بقي مجتمعها خارج التحول، والمجتمع لا ينهض إذا ظل الفرد أسير الخوف من الجديد، والمستقبل لا يبنى إذا بقي الحاضر محكومًا بأدوات الماضي.
ولهذا كله يصعب علينا حصر الجبهات التي يعمل عليها سمو الأمير من أجل وطنه، إلا إذا وصفناها بالبعد الزمني بمفهومه الفلسفي، فهو يحارب على جبهة الماضي؛ لا ليخاصمه أو يهدمه، بل ليسترده من الاختزال، ويصحح سردياته، وينقح ذاكرته، ويصل حاضر الدولة بجذورها العميقة، فجاء «يوم التأسيس» على سبيل المثال ليعيد الوعي بالدولة السعودية إلى امتدادها التاريخي الصحيح، وهذا غيض من فيض، ووراء ذلك كله تتشكل فلسفة تقول: «إن الأمة التي لا تملك روايتها عن نفسها، سيكتب الآخرون لها رواية لا تشبهها».
وهو يحارب كذلك على جبهة المستقبل من خلال رؤية السعودية 2030، التي تجاوزت البرنامج الاقتصادي إلى إعادة تنظيم لعلاقة السعوديين بالزمن، فقد نقلت الرؤية المستقبل من منطقة الانتظار والتمني إلى مجال التخطيط والقياس والمساءلة؛ فأصبح له تاريخ مستهدف، ومؤشرات أداء، ومشروعات، ومؤسسات، ووجوه بشرية مسؤولة عنه، وبذلك لم يعد النفط أو المال وحدهما ضمانة المستقبل، بل صار الإنسان والمعرفة والتقنية والكفاءة وتنوع الاقتصاد هي روافعه الأساسية، وهذه نقلة في العقل والذهنية السعودية قبل أن تكون نقلة في الأرقام.
أما جبهة الحاضر فهي الأوسع والأشد ازدحامًا؛ لأنها موضع مقاومة العادات القديمة، ومصالح البيروقراطية، وثقل المألوف، والخشية الاجتماعية من التحول، فيها أعيدت هندسة مؤسسات الدولة وهيكلتها، وارتفعت كفاءة الحكومة، واتسعت مشاركة المرأة، واستثمر الشباب، وطهرت بؤر الفساد، وشرعت أبواب الثقافة والفنون والترفيه والسياحة والرياضة على مصراعيها الواسعين، وتغيرت نوعية المدن والخدمات وجودة الحياة، وليس الجامع بين هذه المسارات مجرد التحديث، بل إعادة تعريف وظيفة الدولة: من جهاز يدير المتاح إلى جهاز يصنع المستحيل.
سمو الأمير محمد بن سلمان غير في الدولة: تصورها عن قدرتها وحدود فعلها، ونقلها من الاطمئنان إلى ما تملكه إلى القلق المنتِج بشأن ما ينبغي أن تصنعه، ومن إدارة الوفرة إلى صناعة القوة، ومن بطء الإجراء إلى ثقافة الإنجاز، وأعاد للقرار السياسي معناه بوصفه أداة لتشكيل المستقبل، لا مجرد استجابة لما يفرضه الواقع، والدولة هنا لم تتخل عن ثوابتها، وإنما جعلت الثبات في الغايات مصحوبًا بالمرونة والشجاعة في استخدام الوسائل.
سمو الأمير محمد بن سلمان غير في المجتمع: منظومة التقدير الاجتماعي وأعاد ترتيبها، فلم يعد الانغلاق فضيلة في ذاته، ولا مقاومة الجديد برهانًا على الأصالة، ولا تعطيل الحياة العامة مرادفًا للاستقامة، فأخذ المجتمع يسترد طبيعته السعودية المتوازنة: متدينًا بلا اختطاف، معتزًا بموروثه بلا انغلاق، منفتحًا على العالم بلا ذوبان.
كما انتقل التنوع من حقيقة مسكوت عنها إلى مورد وطني ظاهر؛ فالمناطق واللهجات والفنون والأزياء والمطابخ المحلية لم تعد هوامش في الحكاية، بل صارت أجزاء أصيلة من متن السعودية الكبير.
سمو الأمير محمد بن سلمان غير في الفرد السعودي: ما يعد التحول الأبعد أثرًا؛ إذ رفع سقف توقع السعودي من نفسه، لا من دولته وحدها، فلقد كان جزء من الوعي الاجتماعي القديم ينظر إلى الدولة بوصفها الفاعل الكامل، وإلى الفرد بوصفه متلقيًا ينتظر فرصته ونصيبه، أما اليوم فقد دخلت مفردات المبادرة والريادة والكفاءة والمنافسة وصناعة الفرص إلى صميم الوعي العام، ولم يعد السؤال: ماذا ستقدم لنا الدولة؟ بل أضيف إليه سؤال أكثر نضجًا: ماذا نستطيع أن نقدم لوطن يصعد، ويطلب من أبنائه أن يصعدوا معه؟
وأعمق من ذلك كله أن سمو الأمير غير «أفق الممكن» في المخيال السعودي: مشروعات وأفكار كانت تبدو بعيدة أو مؤجلة أو مستحيلة، أصبحت اليوم موضوعًا للنقاش ثم التخطيط ثم التنفيذ، وحينما يتغير تعريف الممكن تتغير معه إرادة الإنسان، ومعايير المجتمع، وطموحات الدولة، فالتحولات الكبرى لا تبدأ حينما تشيد المباني أو تصدر الأنظمة وحدها؛ بل تبدأ حين يتوقف الناس عن النظر إلى واقعهم بوصفه قدرًا نهائيًا لا يراجع.
لقد غير سمو الأمير فينا علاقتنا بتاريخنا، فأصبح مصدر ثقة لا قيدًا على الحركة؛ وغير علاقتنا بحاضرنا، فأصبح ميدان عمل لا زمنًا للانتظار؛ وغير علاقتنا بمستقبلنا، فأصبح مشروعًا نشارك في بنائه لا مجهولًا نترقبه، وبين هذه الأزمنة الثلاثة يعاد بناء السعودي: أوثق صلةً بهويته، وأعلى ثقةً بدولته، وأشد إحساسًا بمسؤوليته، وأكثر جرأةً على الحلم والعمل.
أخيرًا، فإن خلاصة مشروع محمد بن سلمان -أمير الحلم السعودي- والتي تجيبك بعمق عن سؤال المرحلة والراهن السعودي: ماذا غير فينا سموه: هي أنه أيقظ فينا القدرة على التغير، وجعلنا نرى السعودية كما ينبغي لها أن تكون.
غير أن تجديد الهوية الوطنية، على مركزيته في فكر ومشروع الأمير محمد بن سلمان، ليس إلا الباب الأول في هذا المشروع العظيم، والذي هو في جوهره: «إعادة بناء الدولة والمجتمع والإنسان والمستقبل السعودي في آن واحد»، وهذه سمة نادرة في مشروعات التحول الكبرى؛ إذ اعتادت خطط الإصلاح أن تعالج الاقتصاد بمعزل عن الثقافة، والإدارة بمعزل عن المجتمع، والحاضر دون أن تعيد النظر في سردية الماضي وصورة المستقبل، أما المشروع السعودي الجديد فيتحرك بوصفه رؤية كلية؛ لأن الدولة لا تتغير حقًا إذا بقي مجتمعها خارج التحول، والمجتمع لا ينهض إذا ظل الفرد أسير الخوف من الجديد، والمستقبل لا يبنى إذا بقي الحاضر محكومًا بأدوات الماضي.
ولهذا كله يصعب علينا حصر الجبهات التي يعمل عليها سمو الأمير من أجل وطنه، إلا إذا وصفناها بالبعد الزمني بمفهومه الفلسفي، فهو يحارب على جبهة الماضي؛ لا ليخاصمه أو يهدمه، بل ليسترده من الاختزال، ويصحح سردياته، وينقح ذاكرته، ويصل حاضر الدولة بجذورها العميقة، فجاء «يوم التأسيس» على سبيل المثال ليعيد الوعي بالدولة السعودية إلى امتدادها التاريخي الصحيح، وهذا غيض من فيض، ووراء ذلك كله تتشكل فلسفة تقول: «إن الأمة التي لا تملك روايتها عن نفسها، سيكتب الآخرون لها رواية لا تشبهها».
وهو يحارب كذلك على جبهة المستقبل من خلال رؤية السعودية 2030، التي تجاوزت البرنامج الاقتصادي إلى إعادة تنظيم لعلاقة السعوديين بالزمن، فقد نقلت الرؤية المستقبل من منطقة الانتظار والتمني إلى مجال التخطيط والقياس والمساءلة؛ فأصبح له تاريخ مستهدف، ومؤشرات أداء، ومشروعات، ومؤسسات، ووجوه بشرية مسؤولة عنه، وبذلك لم يعد النفط أو المال وحدهما ضمانة المستقبل، بل صار الإنسان والمعرفة والتقنية والكفاءة وتنوع الاقتصاد هي روافعه الأساسية، وهذه نقلة في العقل والذهنية السعودية قبل أن تكون نقلة في الأرقام.
أما جبهة الحاضر فهي الأوسع والأشد ازدحامًا؛ لأنها موضع مقاومة العادات القديمة، ومصالح البيروقراطية، وثقل المألوف، والخشية الاجتماعية من التحول، فيها أعيدت هندسة مؤسسات الدولة وهيكلتها، وارتفعت كفاءة الحكومة، واتسعت مشاركة المرأة، واستثمر الشباب، وطهرت بؤر الفساد، وشرعت أبواب الثقافة والفنون والترفيه والسياحة والرياضة على مصراعيها الواسعين، وتغيرت نوعية المدن والخدمات وجودة الحياة، وليس الجامع بين هذه المسارات مجرد التحديث، بل إعادة تعريف وظيفة الدولة: من جهاز يدير المتاح إلى جهاز يصنع المستحيل.
سمو الأمير محمد بن سلمان غير في الدولة: تصورها عن قدرتها وحدود فعلها، ونقلها من الاطمئنان إلى ما تملكه إلى القلق المنتِج بشأن ما ينبغي أن تصنعه، ومن إدارة الوفرة إلى صناعة القوة، ومن بطء الإجراء إلى ثقافة الإنجاز، وأعاد للقرار السياسي معناه بوصفه أداة لتشكيل المستقبل، لا مجرد استجابة لما يفرضه الواقع، والدولة هنا لم تتخل عن ثوابتها، وإنما جعلت الثبات في الغايات مصحوبًا بالمرونة والشجاعة في استخدام الوسائل.
سمو الأمير محمد بن سلمان غير في المجتمع: منظومة التقدير الاجتماعي وأعاد ترتيبها، فلم يعد الانغلاق فضيلة في ذاته، ولا مقاومة الجديد برهانًا على الأصالة، ولا تعطيل الحياة العامة مرادفًا للاستقامة، فأخذ المجتمع يسترد طبيعته السعودية المتوازنة: متدينًا بلا اختطاف، معتزًا بموروثه بلا انغلاق، منفتحًا على العالم بلا ذوبان.
كما انتقل التنوع من حقيقة مسكوت عنها إلى مورد وطني ظاهر؛ فالمناطق واللهجات والفنون والأزياء والمطابخ المحلية لم تعد هوامش في الحكاية، بل صارت أجزاء أصيلة من متن السعودية الكبير.
سمو الأمير محمد بن سلمان غير في الفرد السعودي: ما يعد التحول الأبعد أثرًا؛ إذ رفع سقف توقع السعودي من نفسه، لا من دولته وحدها، فلقد كان جزء من الوعي الاجتماعي القديم ينظر إلى الدولة بوصفها الفاعل الكامل، وإلى الفرد بوصفه متلقيًا ينتظر فرصته ونصيبه، أما اليوم فقد دخلت مفردات المبادرة والريادة والكفاءة والمنافسة وصناعة الفرص إلى صميم الوعي العام، ولم يعد السؤال: ماذا ستقدم لنا الدولة؟ بل أضيف إليه سؤال أكثر نضجًا: ماذا نستطيع أن نقدم لوطن يصعد، ويطلب من أبنائه أن يصعدوا معه؟
وأعمق من ذلك كله أن سمو الأمير غير «أفق الممكن» في المخيال السعودي: مشروعات وأفكار كانت تبدو بعيدة أو مؤجلة أو مستحيلة، أصبحت اليوم موضوعًا للنقاش ثم التخطيط ثم التنفيذ، وحينما يتغير تعريف الممكن تتغير معه إرادة الإنسان، ومعايير المجتمع، وطموحات الدولة، فالتحولات الكبرى لا تبدأ حينما تشيد المباني أو تصدر الأنظمة وحدها؛ بل تبدأ حين يتوقف الناس عن النظر إلى واقعهم بوصفه قدرًا نهائيًا لا يراجع.
لقد غير سمو الأمير فينا علاقتنا بتاريخنا، فأصبح مصدر ثقة لا قيدًا على الحركة؛ وغير علاقتنا بحاضرنا، فأصبح ميدان عمل لا زمنًا للانتظار؛ وغير علاقتنا بمستقبلنا، فأصبح مشروعًا نشارك في بنائه لا مجهولًا نترقبه، وبين هذه الأزمنة الثلاثة يعاد بناء السعودي: أوثق صلةً بهويته، وأعلى ثقةً بدولته، وأشد إحساسًا بمسؤوليته، وأكثر جرأةً على الحلم والعمل.
أخيرًا، فإن خلاصة مشروع محمد بن سلمان -أمير الحلم السعودي- والتي تجيبك بعمق عن سؤال المرحلة والراهن السعودي: ماذا غير فينا سموه: هي أنه أيقظ فينا القدرة على التغير، وجعلنا نرى السعودية كما ينبغي لها أن تكون.