الإجابة بالتأكيد نعم، ولكن أين يكمن حضوره!
فدول الخليج نجدها حاضرة ومؤثرة في ملفات الطاقة والاستثمار والدبلوماسية والرياضة والتقنية والسياحة والتحولات الاجتماعية والثقافية.
ولكن السؤال الآخر والأهم، هو من يملك تفسير هذا الحضور؟ وكيف يفسر ويقرأ هذا الحضور، وأين الحد الذي يصل إليه في المجتمعات وكيف يؤثر؟ والأهم من ذلك من يحدد المعنى الذي تستقر عليه صورة الخليج في ذهن المواطن والصحفي والباحث وصانع القرار خارج المنطقة؟
فدول الخليج بكل تأكيد حاضرة في آلاف الأخبار، لكنها غائبة في بعض الأحيان عن المعنى الذي تطمح إليه، مما سمح لوسائل إعلام غربية أن تحدد الإطار الذي ينظر العالم من خلاله إليها.
الحضور الإعلامي لا يعني بالضرورة امتلاك التأثير، والانتشار لا يساوي الإقناع، وكثرة الحديث لا تعني القدرة على تغيير رأي الجماهير. وهنا يكمن التحدي، فالجماهير ليست جمهورا واحدا ينتظر رسالة خليجية موحدة، هناك جمهور سياسي في واشنطن، وجمهور إعلامي في لندن وباريس، واقتصادي في آسيا، وجمهور شاب يتلقى معرفته من المنصات، وأكاديمي يبني مواقفه عبر الدراسات والتقارير، وجمهور في دول الجنوب العالمي ينظر إلى العلاقات الدولية من خلال خبراته مع الاستعمار والتنمية والسيادة. وبين هذه الجماهير اختلافات داخلية أكبر أحيانا من الاختلافات بين الدول نفسها.
ولهذا فالسردية الخليجية ليست فيما نريد قوله، بل مما يفكر فيه الجمهور الذي نريد الوصول إليه والتأثير فيه، ما الذي يعرفه عن الخليج؟ ما الصور المسبقة التي يحملها؟ من يثق به؟ وما السؤال الذي يبحث عن إجابة عنه؟
لذا وجب على الخطاب الخليجي أن يحدد إطار النقاش، لأن من يحدد هذا الإطار يملك جزءا كبيرا من القدرة على توجيه نتائجه والتأثير فيه، فإذا بقي الخطاب الخليجي يرد على أسئلة صاغها الآخرون، مستخدما مفرداتهم وافتراضاتهم، فإنه قد يقدم إجابات قوية، لكنه يظل يعمل داخل إطار لم يصنعه بنفسه.
أهمية الانتقال من توضيح وتبرير المواقف، إلى صناعة المعنى، هي الأساس في التأثير الجماهيري للعالم، فتوضيح الموقف نشاط دفاعي يبدأ بعد وقوع الحدث أو ظهور الاتهام، أما صناعة المعنى فهي عمل إستراتيجي يحدد مسبقا كيف نروي الماضي الذي نفتخر به، وكيف نفسر الحاضر الذي نتحكم فيه، وإلى أي مستقبل ندعو العالم الذي نحن من يصنعه.
الباحثون في السرديات الإستراتيجية يرون أنها الأدوات التي تستخدمها الدول، والفاعلون لبناء فهم مشترك للماضي والحاضر والمستقبل، وتحديد التحديات والغايات والأدوار داخل النظام الدولي. وهذا يعني أن المطلوب - إضافة إلى ما تم إنجازه - بناء سردية تجيب بوضوح عن أسئلة كبرى، عمن نحن وما التحول الذي نعيشه؟ وما القيمة التي نضيفها إلى العالم؟ وما نوع النظام الإقليمي والدولي الذي نؤمن به؟ وكيف تتصل مصالحنا بمصالح الإنسان خارج الخليج؟
التجارب الدولية تبين أن الدول لا تؤثر في رأي الجماهير إلا عندما تجمع بين السياسة والمصداقية والثقافة والعلاقات طويلة المدى، وهذا ما تتميز به دول الخليج التي أصبحت من أكثر الدول مصداقية في كثير من الملفات السياسية. وقد عرف «جوزيف ناي» القوة الناعمة بأنها القدرة على تحقيق النتائج عن طريق الجاذبية بدلا من الإكراه أو الدفع، مؤكدا أن مصادرها تكمن في الثقافة والقيم والسياسات عندما تبدو مشروعة وجذابة، وهذا أحد المعاني التي لا بد من تصديرها بسردية عالمية.
وتكشف التجارب الدولية أن التأثير الناجح يقوم على وحدة المعنى وتعدد الأصوات. فقد جمعت بريطانيا عبر حملة GREAT مؤسسات التجارة والسياحة والتعليم والثقافة تحت مظلة سردية واحدة، بينما بنت كوريا الجنوبية جاذبيتها من خلال الموسيقى والدراما والسينما والطعام والتقنية، أما إستونيا فحولت تقدمها الرقمي إلى تجربة قابلة للزيارة والتعلم، فأصبح الإنجاز نفسه أداة اتصال دولية. بالنسبة للسردية الخليجية لا بد أن تعمل على إنشاء منظومة مؤسسية تبدأ بالاستماع إلى الجماهير الدولية وتحليل اهتماماتها ومصادر ثقتها، ثم بناء سردية تتكون من ثلاث طبقات:
هوية تشرح خصوصية الخليج، ودور يبين مساهمته في الأمن والاقتصاد والطاقة والتنمية العالمية، ومستقبل يوضح كيف يفيد تحوله العالم والجماهير.
ويجب أن تقوم هذه السردية على قاعدة أن الخليج هو المستقبل للعالم وأن تختلف الزاوية والقناة باختلاف الجمهور، مع إشراك الباحثين والمبدعين والجامعات ورواد الأعمال والطلاب والشركاء الدوليين في روايتها. كما ينبغي تحويل الإنجازات الخليجية إلى خبرات وتجارب، وتسويقها بخطاب يدرس في الجامعات ومراكز التفكير.
نجاحنا لا بد أن يقاس بتغير الأطر الإعلامية التي يعرفنا بها العالم وزيادة الاستشهاد بالمصادر الخليجية، وتحول الاهتمام إلى تعاون أو استثمار. فالتأثير الحقيقي يبدأ حين تصبح القصة والرواية الخليجية قابلة لأن يعيد الآخرون روايتها بلغاتهم ومن داخل تجاربهم.